الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٣٦الإباضية في موكب التاريخ
434
الإباضية في ليبيا (2)
واجتمع الشيخ بعدد من العلماء وذهبوا إلى "تندميرة"، وقصدوا بيت العجوز ودعوا إليهم الصبية التي تمنعت عن الزواج، وَلَمْ يزالوا بها حتى لانت واقتنعت، ولكنها اشترطت عليهم شرطا واحدًا معقولا، وهو أن تختار زوجها بنفسها.
فوافق المشايخ بالإجماع على هذا الشرط؛ لأنه حقها الطبيعي الذي منحتها إياه الشريعة السمحة، وكانوا ينتظرون أن تعلن إليهم اسم أحد أولئك الشباب الذين تقدموا لخطبتها،
ولكن الفتاة أعلنت إليهم أنها اختارت أبا عامر التصراري، هذا الشيخ العالم الزاهد المسن. إنَّهَا لا تفكر بالشباب ولا بالقوة ولا بالمال، واستجاب المشايخ لها، كما استجاب لهم من قبل، ورجع أبو عامر إلى زوجه الحبيبة أمة الواحد بأسوأ خبر يمكن أن ينقله زوج إلى زوجه، ورجاها أن تستعد للقاء الزوجة الثانية، فتلقت الخبر بصبر المؤمنة وأعدت في منزل الشيخ ما يعد للعروس في أوَّل زفاف، واستقبلتها استقبال أخت محبة، ولَمَّا آوى الشيخ إلى الزوجة الثانية ذكرت أمة الواحد أن العروسين ينقصهما شيء سهت عنه عندما أعدت لهما الغرفة، فناولتهما إياه من تحت الباب ورجعت إلى فراشها لتبيت فيه منفردة. إن لهذه المرأة قلبا كما لسائر النساء، ولها عاطفة قوية جياشة وهي تحب زوجها، ولكن لها مع ذلك دين يعصمها من النزق ويوقفها دون أن تتعدى حدود شرع الله وحقوق الناس، وعاشت الزوجتان تحت كنف أبي عامر يرعاها بلطفه ويغمرها بحبه ويساوي بينهما بعدله، وذات يوم خرجت أمة الواحد إلى بعض البساتين تجمع حطبا، عندما همت بأخذ الحطب وسوس لها الشيطان فخطر لها أن الشيخ قد تغذى مع الزوجة الشابة، وتركا لها لقمة باردة في ناحية من البيت، وعرفت أن هذا الخاطر من الشيطان فاستعاذت بالله ورمت حزمتها إلى الأرض، ثُمَّ زادت فيها حطبا لترغم أنف الشيطان.
ورجعت إلى البيت ودخلت الدار فوجدت الزوجين قد تغديا وتركا لها نصيبها في إناء، فرجع إليها الخاطر من جديد وأحست بالغيرة تدب في نفسها واصفر لونها. وكان أبو عامر ينظر إليها في شوق وحنان فلما رأى وجهها متغيرا عرف حديث النفس وقام إليها فأمسك بطرف كمها وقال كمن يخاطب الشيطان: الله "اخرج يا عدو من جسد طاهر".