الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٣٧الإباضية في موكب التاريخ
435
الإباضية في ليبيا (2)
الشيطان من
وكان لهذه الكلمات الأثر المطلوب على نفس المرأة المؤمنة، فقد خرج جسدها الطاهر، وزالت الغيرة من نفسها ورجعت إليها الثقة في زوجها، وعاشت الأسرة
المتكونة من امرأتين ورجل في منزل يغمره الحب والتفاهم والتعاون.
ومع
هذا الخلق السامي الذي تتحلى به أمة الواحد لم تسلم من نقد الزميلات، فقد أعلنت
شيئا مما تحرص النساء عَلَى إخفائه، فبعثت إليها زينب اللالوتية تقول لها في استنكار وتأنيب: "لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعلنا فتابت أمة الواحد، واستمعت إلى النصيحة التي وردت إليها من أخت مؤمنة تحب لها الخير وتحرص على سلامة دينها وسعادتها
في آخرتها.
لقد كانت المرأة المسلمة في تلك العصور تقف إلى جانب الْحَقِّ لا تتعداه وما دام الشارع الحكيم
"1
يوجب عليها أمراً من الأمور فهي تسمع له وتطيع غير ناظرة إلى إساءات الناس أو إحسانهم. 6 - أبو عثمان المزاتي عالم من كبار العلماء، ومؤمن من أصدق المؤمنين، كان يسكن قرية "دجي". هذه القرية التي تجثم على صدر جبل شامخ إلى الشمال من "تنزغت" و"غفسوف" وكان لأبي عثمان بنتان أحسن تربيتهما وتعليمهما، الكبرى منهما تُسَمَّى "منزو (1)، وكانت قبيلته تسكن إلى الجنوب عند بئرها المعروف اليوم بئر "مزاتة" فجاءه بعض أقربائه يخطب إليه "منزو" ولَمْ يظن أبو عثمان بهذه الفتاة اللطيفة الأدبية الصالحة عن أجلاف البادية فاستجاب له، وما تم العقد حتَّى نَهض الرجل ومر بجانب البيت الذي فيه العروس، وقد كثر فيه لغط النساء فص بصوته الغليظ الجافي قائلا: "إن كانت منزو بينكن فلا آذن لها أن تبقى". وقامت الفتاة المؤمنة الصالحة اللطيفة قبل أن تستكمل زينتها وسارت وراء هذا الزوج الجافي الغليظ الطبع، وكان راكبا جملا.
وسارت الفتاة، وطال بها المسير، حتّى حفيت قدماها وسالت منها الدماء، ولكنها مع ذلك لم تشك وَلَمْ تتبرم، فإذا نزل زوجها في مكان للمبيت أو للمقيل بادرته فوسدت له رداءها، ووطأت له مجلسه، ثُمَّ عالجت له طعامًا، فإذا قامت له بجميع شؤونه وقدمت له ما
(1) راجع السير، ص 206.