الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٣٨الإباضية في موكب التاريخ
436
الإباضية في ليبيا (2)
يحتاجه رجعت إلى نفسها وأدت حقوق ربها، ولم يزل هذا دأبه ودأبها حتى وصلا إلى
وطنهما، فبنى لها بيتًا بعيدة على الناس، فكانت تشبه أن تكون سجينة لا تزور ولا تزار. إنَّهَا لا ترى أحدا من خلق الله غير هذه الطلعة الكريهة الجافية، وكانت مع ذلك تبالغ في الإحسان ويبالغ في الإساءة، وذكرها المشايخ بعد طول غياب ذكرها العلامة أبو زكرياء يحي بن يونس السدراتي، فدعا أباها وجماعة من المشايخ إلى زيارتها. وسار المشايخ يقطعون ألوية الرمال ليزوروا أختا في الله وشاءت المصادفة أن يصلوا إليها وهي تصلح بيتها من الخارج متفضلة (1)، فكانت أوَّل كلمة وجهها إليها أبو زكرياء هذه التحية: "إني لأختار أن أجد جنازتك خارجة، ولا أراك خارج بيتك متفضلة"، واستتابها فسارعت إلى التوبة والاستغفار وَلَمْ تعتذر بأنها منفردة، وأنه لا يوجد في المنطقة غريب، وَأَنها تمر عليها الشهور ذوات العدد لا تسمع حسا ولا ترى شخصا؛ لم تقل شيئًا عن ذلك وَلَمْ تشك وَلَمْ تتبرم، لقد كتب عليها أن تتزوج هذا الرجل وله عليها حقوق، فعليها أن تصبر وأن تؤدي ما عليها من حق غير ناظرة إلى صاحبها أيستحق هذا التكريم أم لا يستحقه، ومكث القوم ثلاثا ثُمَّ قفلوا راجعين.
ولقد أثرت حالة "منزو" هذه عَلَى أبي عثمان، فكان يحس لها من الألم شيئا كثيرًا، وَلَكِنَّهُ لا يستطيع أن يفعل شيئا لها، واستفادت بنته الصغيرة "تكفا" نفسية أبيها بعد قصة من "مترو"، فكانت تلقى منه من العطف والتدليل فوق ما كانت تجده قبل ذلك، حَتَّى كانت تفضي إليه بأسرارها العاطفية وتحادثه عن زينتها، وما تخشاه من فسادها وه تزف إلى زوجها الحبيب في ليلة العرس، فكان يرفق بها ويساعدها ويستمع إليها في حنو بالغ. إن الذي يقرأ الحوادث السابقة قد يحسب أن مجهود المرأة الإباضية في ليبيا قد يقف بها عنصر الصبر والاحتمال والخضوع المطلق للزوج أو الأب أو الولي، وهو حسبان ليس له ظل من الصواب، فإن المرأة في تلك العصور، رغم أنها لم تزل حجابها، وَلَمْ تمتهن نفسها، ولَمْ تستعرض مفاتنها عَلَى العيون، ولم تنحدر بكرامتها إلى سوق المساومة، إنَّهَا رغم ذلك
(1) لابسة ثوب المنزل المبتذل.