الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٣٩

الإباضية في موكب التاريخ

437

الإباضية في ليبيا (2)

كانت تشترك اشتراكا فعليا في أحداث الحياة، وكثيرًا ما وجهت سياسة الأمة من جهة إلى

جهة، ولَمْ ينقص كفاحها عن كفاح الرجال في جميع الميادين.

كانت أم يحيى (1) العالمة الفاضلة والمربية القديرة تسكن مدينة "أمسين" بين "جيطال" و"تيميجار"، وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في المدارس التي يدرس بها الطلبة الذكور، ورأت أنها لو فتحت مدرسة خاصة بالفتاة لأتاحت للمرأة المسلمة فرصة الدراسة إلى آخر المراحل التعليمية، وما اقتنعت بهذه الفكرة حَتَّى شرعت في تنفيذها، وتأسست المدرسة الخاصة بالبنات، وفتح بها شبه ما يسمى اليوم بالأقسام الداخلية، فكانت الفتيات يقبلن عليها للتعلّم، وكانت البعيدات منهن يقمن في المدرسة، وهي تقدم لهن الأكل وتشرف على تربيتيهن، ولَمْ تكتف بهذا فقد كانت توجه الفتيات حسب استعدادهن وميولهن، فكانت تربي الجميع تربية إسلامية صالحة، وتوجههن في الحياة، فمنهن من تفتح لها أبواب العمل، ومنهن من تسهل لها

طريق تكوين أسرة، ومنهن من تحرص أن تستمر في دراستها حتّى تصل إلى درجة النبوغ. ولست أدري والله ما الذي صنعه علم النفس الحديث فوق ما صنعت هذه المرأة، ولا المآثر التي بلغتها المرأة، اليوم فوق ما فعلته امرأة الأمس دون أن تعلن عنها الجرائد وتتحدث عنها الإذاعات وتصفق لها الأكف .. إِنَّهَا كانت تعمل ساكنة صامتة وإن كانت نتائج عملها تظهر باهرة في أمثال شاكرة الزعرارية وأم زعرور وأضرابهما. ومن المؤسف أن تقف فتاة اليوم تلعن ماضيها المشرق؛ لأنها تنظر إليه بعين مغمضة، وتناقشه برأي مستورد، وتاريخ مزور، ولو أَنَّهَا ألقت عن نفسها هذا التبجح، وتنازلت عن قليل من الغرور المصطنع والتمست طريقها القويم بين الحقائق التي خلفتها لها جدتها، لوجدت في ذلك من الشرف والنبل والكفاح ما لم تبلغه هي في هذا العصر مع الأسباب الميسرة والوسائل المتاحة.

- كانت أم ماطوس (2) فتاة ذكية جرئية يسكن أهلها في المدينة المنبسطة فوق جبل "جار إصرا" شرق "كباو"، ودرست عَلَى علماء بلدها حَتَّى لم تجد عندهم جديدا، فرغبت في

1) هي زوجة أبي ميمون، وقد سبقت الإشارة إليها في هذا الفصل رقم (1).

(2) راجع السير، ص 317.