الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٤٠الإباضية في موكب التاريخ
438
الإباضية في ليبيا (2)
الالتحاق بمدرسة أبي مُحمَّد خصيب بن إبراهيم التمصمصي جنوب "طمزين"، وليس بالمدرسة قسم داخلي للبنات وبين المدرستين مسافة طويلة لا تقل عن أربعة أميال، وكان طبيعيًا أن تجد معارضة من أهلها لاسيما من أخيها الغيور، فهل يسمح لفتاة في عمر الزهور أن تقطع هذه المسافة الطويلة بين البلدين منفردة في كُلّ يوم، ولكنَّها صممت على بلوغ
الغاية، وتحدث الأهل والأقارب.
فكانت تأخذ أدوات الدراسة وتتسلح بمزراقها ثُمَّ تذهب إلى المدرسة فتحضر مجلس أبي محمد، وتستمع إلى دروسه، وتشترك في المناقشات وترجع إلى قريتها فتجد الناس قد آووا إلى مضاجعهم واستغرقوا في النوم العميق، فتشتغل في دروس الغد، وتحضر ما لديها من واجبات حَتَّى إذا اطمأنت إلى أنها قامت بواجبها أحسن قيام أوت إلى فراشها فأراحت ذلك الجسم المكدود، وَلَمْ تزل كذلك حَتَّى بلغت الغاية، وأصبحت من الأعلام التي لا يستغنى عن حضورها في مجلس من المجالس العلمية .. وكتب لها أن تزوجت في "مرساون " قرب تميجار" فكان المشايخ لا يعقدون مجلسًا إلا بحضورها، فتحضر المناقشات، وتستمع إلى آراء الأعلام وتنتقدها، وقد تسببت لها هذه الشهرة في مشاق وأتعاب، وكثيرا ما تكبدت أهوال السفر وهي حامل لتحضر المجامع التي تعقد في "جَنَّاوَن" أو "تندوزيغ" أو غيرها من الأماكن التي يختارها المشايخ للاجتماع.
أذكر أنني التقيت في الجامعة الأمريكية في بيروت بسيدة كانت فخورة جدا؛ لأنها كانت حسبما تقول أول فتاة عربية دخلت الجامعة، وكانت تعيد ذلك في كُلّ مجمع وَلِكُلّ مناسبة، فكنت أقول في نفسي: هذه فتاة ربيت في بيت مسيحي، وهي تعيش منذ خلقت سافرة، ولا تجد أي عنت في مجالسة الرجال في البيت والمقهى ولا بد أن يكون أتيح لها – قبل دخول الجامعة - أن تراقص عددًا من الشبان عَلَى الطريقة الغربية عَلَى الأقل في أعياد الميلاد، ميلادها أو المسيح، هذا إذا كانت أسرتها محافظة في بيروت وفي القرن العشرين، ومع ذلك تحسب أَنَّهَا كسبت مجدا؛ لأنها دخلت مدرسة للذكور منفردة. ضع إلى هذه الصورة الصورة الأخرى - صورة هذه الفتاة المسلمة التي تعيش بين أفراد أسرة مسلمة، محتفظة بالحجاب، لا تسمح لنفسها أو يسمح لها الناس أن تخالط الرجال غير