الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٤

الإباضية في موكب التاريخ

42

نشأة المذهب الإباضي

افتراق الأمة

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلَاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ» (1)، روي الحديث بروايات متعددة

مختلفة، نص في إحداها على أن الفرقة الناجية هي التي تكون على ما كان عليه رسول الله وأصحابه رضوان الله عليهم، وفي رواية أخرى أن جميع الفرق ناجية ما عدا واحدة هالكة، ويظهر أن هذه الرواية ضعيفة (3).

إن الحديث ينص أن كل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها هي الناجية، وادعاء كُلّ فرقة أنها هي الواحدة الناجية أمر طبيعي، فَإِنَّهُ لا يصر على اتباع فرقة هالكة إلا مجنون، وقد جاهد أصحاب الفرق جَمِيعًا ليبرهنوا أَنَّهُم على الْحَقِّ، وَأَنَّهُم يسلكون المسلك السوي الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، وأن غيرهم من الفرق حاد عن سبيل الله في العمل أو في الاعتقاد. تناول الإمام هذا الحديث بالبحث، وناقش دعوى كُلّ الفرق وبراهينها التي تقدمها للتدليل على أنها الفرقة الناجية وبين أنها متساوية في احتمال أن تكون على الْحَقِّ عند الله وأن تكون على الباطل، واستخلص من كُلّ ذلك أن الفرقة الناجية لا يمكن أن تكون إحدى هذه الفرق، وَإِنَّما هي الفرقة التي تكون على ما كان عليه رسول الله له من جميع الفرق .. .. إِنَّهم أولئك المؤمنون الذين لا تغرهم أقوال الرجال، ولا يتبعون مسالك الضلال، ولا يستمسكون بغير هدى المعصوم وأصحابه الذين هم كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم.

وكلام الأستاذ الإمام قيم وفهمه لأسرار الشريعة الإسلامية في هذا العصر واستمساكه بالْحَقِّ، ودفاعه عن دين الله يذكرنا بالعصر الأول، حينما كان الْحَقِّ ضالة المؤمن، يدور معه حيثما دار، ويقف معه أينما وقف.

(1) أخرجه الربيع في صحيحه بهذا اللفظ عن ابن عباس، باب في الأمة أمة مُحَمَّد، رقم 41. وقد ذكر بروايات مختلفة في كتب السنة سيشير إليها المؤلف. (المراجع)

(2) انظر: هذه الروايات كلها مع تخريجاتها وتحقيقاتها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة: للأستاذ ناصر السابعي.

(المراجع)