الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٥الإباضية في موكب التاريخ
43
نشأة المذهب الإباضي
فرقة من
الناجي والهالك من الفرق
ظاهر الحديث الذي سقناه في افتراق الأمة على اختلاف رواياته يَدلُّ أن اثنتين وسبعين المسلمين هالكة جَميعًا، وأن فرقة واحدة فقط، ناجية وإذا سلمنا بظاهر الحديث وقلنا: إن المسلمين ينقسمون فعلا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن هذا العدد محصور وموجود فعلا؛ فهل يحق لنا أن ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى؟؟
إن كُل فرقة من هذه الفرق، تحتوي على ملايين من المسلمين، لا يعلم عددهم إلا الله، وهذه الملايين تتفاوت في معارفها وعلمها وعقلها ودينها تفاوتا لا يضبطه مقياس، ولا يأتي عليه حصر، والطبقة المشتغلة ببحث أصول العقائد التي اختلفت فيها الأُمة كالقدر، والعدالة الإلهية، وصفات الباري، من كُل فرق قلة ضئيلة جدا.
عن
إلى
أما
الله
باقي المسلمين وإن كانوا ينسبون إلى مذهب من تلك المذاهب إِلا أَنهم لا يعرفون شيئا هذه المباحث العميقة، التي تستدعي كفاءات خاصة، وهم يقومون بواجباتهم الدينية حسب ما تلقوه، مؤمنين بربهم مصدقين، برسوله ال وما جاء به جملة وتفصيلا، متقربين بأعمالهم لا تؤهلهم ثقافتهم إلى مناقشة الآيات القرآنية ودراسة المحكم والمتشابه من الكتاب الكريم، ولا يُخوِّلُهم تفكيرهم المحدود أن يصلوا إلى تلك المباحث التي يجري وراءها علماء الكلام .. إن العامي من الأشاعرة أو الإباضيَّة أو المعتزلة أو غيرهم، لا يخطر له مطلقا أن يبحث مشكلة القدر، فهو مؤمن بطبعه أنه لا يقع في الكون إلا ما يريده الله، والعامي من هذه المذاهب ومن غيرها لا يفهم ماذا تعني كلمات الذات والصفات، وهل الصفات عين الذات؟ إلى آخر ما هنالك من المباحث التي تحتاج إلى كثير من الذكاء والعلم.
فهل جميع هؤلاء المسلمين الذين ينتسبون إلى مختلف الفرق وهم يؤمنون بربهم، ويعملون صالحا يكونون من أصحاب النار؟ لأن ظاهر هذا الحديث يقسم المسلمين إلى ثلاث وسبعين، فرقة، يلقي اثنتين وسبعين منها في النار؟