الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٤١الإباضية في موكب التاريخ
439
الإباضية في ليبيا (2)
المحارم،
هذه الفتاة المسلمة بخلقها ودينها وحجابها استطاعت أن تقهر كل الظروف، فتحقق لنفسها أمنيتها الغالية وهي الالتحاق بجامعة أبي مُحمَّد خصيب وتدرس في هذه الجامعة رغم معارضة الأهل وتشددهم في هذه المعارضة، ورغم المسافة الطويلة التي لا تقل بحال عن أربعة أميال، ما مقدار بطولة فتاة العصر إلى أم ماطوس التي كانت تعيش في القرن الثالث الهجري؟ أضف إلى ذلك أين تلك الفتاة كافحت ذلك الكفاح العظيم من أجل العلم فقط، ولم يكن في حسابها شَيْء مِمَّا يزدحم به رأس الفتاة في هذا العصر، إنَّها لم تكن تدرس لتحصل على شهادة، ولا على زوج ولا عَلَى عمل ولا لتتيح لنفسها المتعة واللهو. اذكري تاريخك يا فتاة اليوم، وانظري إلى أعمال جدتك في الماضي، فستجدين فيه من العظمة ما يحقُّ لك أن تفخري به دون أن يمس شرفك أو تمتهن كرامتك، وليس صحيحا ما يلقيه في روعك دعاة الانحلال والتفسخ بأن ماضيك كان مظلمًا ومظلومًا فمنذ تشرفت خديجة بنت خويلد بالإسلام تغير حال المرأة، ووضعها في التاريخ و المجتمع، وقد أكرمها الإسلام أما وزوجة وبنتا وأختا.
وأهانها بغيا وداعرًا، وليس هذا الحكم قاصرًا عَلَى المرأة ولكنَّه حكم منطبق على الرجل أيضا، وكما تسلح الرجل بالإيمان والعلم، كذلك تسلحت المرأة بالإيمان والعلم، وما بلغنا من الله دين عن الرجال ليس أكثر كثيرًا ممَّا بلغنا عن النساء، وَلَمْ ينقص من علم عائشة أبدًا أَنَّهَا لم تكن سافرة، ومع الحجاب الشديد الذي كان يلفها فقد كانت من أعلم الناس، وعنها
أخذنا نصف ديننا.
وهذه الفتاة أم ماطوس التي تلتفع بثوبها ثُمَّ تجلس بجانب المجلس تستمع إلى الشيخ وتسائله، وتستجيب لنقاش الطلبة وترد عليهم، لم يمنعها ذلك الحجاب أن تتفوق على أكثر
زملائها، ولم يدعها علمها إلى أن تلقي عنها ثوب الحياء وترمي بفتنتها بين الناس. وليست أم ماطوس هي الفتاة الوحيدة التي انتهجت هذا المنهج العلمي وبلغت ما أرادت، وَإِنَّمَا سُقت قصتها لما فيها من عنت السير وبعد المسافة، وإلا فالعلم كان متاحا للجميع في
ذلك العصر.