الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٤٢

الإباضية في موكب التاريخ

440

الإباضية في ليبيا (2)

9 - كان أبو حفص عمروس المساكني من فطاحل العلماء، وكانت أخته (1) النجيبة الذكية ترافقه في دراسته وتستمع إليه وتأخذ عنه، حَتَّى بلغت مبلغًا قل أن تصل إليه فتاة، وعندما كان يقوم بالدراسة أو التأليف كانت تقدم إليه من المساعدة ما هو في حاجة إليه، فتجمع له مادة التأليف، وتلخص له مواضيع البحث، وتعد له مناهج الدراسة، وتساعده في الكتابة،

فتملي عليه، أو تتلقى عنه الإملاء فتكتب، وهكذا وجد منها "سكرتيرة" ذكية وبارعة. وعندما ذهب إلى الحرب في وقعة "مانو" رافقته وقتل أخوها، وقتل أكثر الجيش، وأخذت أسيرة مع بعض زميلاتها فخافت الفساد، فقالت لزميلاتها أما وقد وقعنا أسيرات ولا قدرة لنا على الخلاص من أيدي هؤلاء الوحوش فلتستعف كُلّ واحدة منكن من يزوجها بمن يريد بها سوء. وهكذا حتَّى في أسوأ الأحوال ينجدها العلم والدين.

هذا نموذج يمثل جانبا من جوانب الفتاة في ذلك الحين، وفي تاريخ هذه الفتاة نماذج أخرى، لها من الروعة ما يبعث على الإعجاب.

10 - كان أبو مسور يصلتين يسكن "أدونَاط" هذه القرية التي تقع بين "تميجار" و"جيطال" في منتصف الجبل، متجهة إلى الغرب، وكان كما قال فيه أبو الربيع عظيم القدر

في الإسلام، علما وعملا وورعا، وكان الإمام في تاهرت يعتبره من المراجع العلمية الحية. نشأت في كنفه ورعايته بنته (2) الذكية النجيبة، ودرست عنه وعن غيره من العلماء ما أبلغها رتبة سامقة من العلم، وكانت بارعة في النقاش قوية الحجة، حاضرة البرهان. جاءت إلى أبيها يوما تسأله عن مسائل الحيض وتصف له بعض ما أصابها، فقال لها العالم الكبير: "ألا تستحين؟ " فقالت: "أخشى إن استحييت منك اليوم أن يمقتني الله القيامة"، يوم فألزمت الشيخ الحجة، وَلَمْ يَجد لها ردا، وأجابها عن أسئلتها. وتحدث جمع من المشايخ وكانت حاضرة تستمع إلى نقاشهم، فقال أبوها: "المسلمون أفضل من أقوالهم"، فقالت هي: "بل" أقوالهم أفضل، فإن المسلمين يذهبون ولكن أقوالهم تبقى؟

(1) راجع السير، ص 228.

(2) راجع السير، ص 231.