الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٤٣الإباضية في موكب التاريخ
441
الإباضية في ليبيا (2)
إلا أن تريد فضل الأجسام على الأعراض، وإلا فليس هناك شيء أفضل من العلم" .. وهكذا استطاعت أن تأخذ زمام المجلس وهي في سن المراهقة. وجلست ذات يوم إلى أبيها بعد أن فرغت من غسل ثيابها ونشرها تتحدث إليه حديث الطفلة المحبوبة إلى والد حنون، ونظر الأب إلى الثياب، فقالت: "أتمنى لو جعل الله تطهير قلبي إلى يدي فأغسله مثل الثياب وأبعثه إلى خالقه نظيفا، فقال الشيخ معجبا ببنته الذكية: "إنَّك أبلغ مني حتى في الأماني".
وتدللت عليه يوما فغاضته، فقال لها: "لأزوجنك بمن له عليك سبعون حقا"، وكم تفر هاربة كما قد تفعل بنات اليوم، ولكنها أجابته في ظرف وكياسة: "إذن أردهن إلى ثلاث: إن دعا أجبت وإن أمر امتثلت، وإن نهى اجتنبت".
هذا نموذج من فتاة الأمس، المتحجبة، فهل منعها الحجاب أن تصاول فطاحل العلماء
وتقارعهم بالحجة، وتفحمهم بالبرهان، وتتغلب عليهم بالأدب والبر والكياسة. لقد استعرضت عددًا من النماذج عن حياة الفتاة فما هي حياة المرأة الكبيرة؟ وما أثرها في المجتمع؟ وما سلوكها في البيت والأسرة؟.
11 - كان أبو يحيى الأدلي - رَحِمَهُ الله - من العلماء العاملين لم يتزوج حتى تقدم به العمر، ودخل ذات يوم إلى بستان من بساتينه يجمع العنب فمر به رجل نصراني يسكن البلدة، فدعاه ليأكل العنب وسر النصراني بالدعوة فجاء معه بأهله، وكان له بنات مظهرهن عن الجمال والأدب وكمال العقل، فأعجب بهن أبو يحيى، وحدثه في شأنهن، فقال النصراني: إن جاز في دينكم زوجتك إحداهن واختار أبو يحيى أم الخطاب (1)، وكانت أجملهن وأكملهن عقلا.
فَلَمَّا آوى إليها في الليل حدثها عن الإسلام، وشرح لها قواعده وأصوله، ثُمَّ خيرها بين الإسلام والرجوع إلى أهلها وكانت أعجبت بالرجل وبخلقه ودينه، وفهمت من الإسلام ما
(1 راجع السير، ص 247، 256.