الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٤٥

الإباضية في موكب التاريخ

443

الإباضية في ليبيا (2)

الطالبات المقيمات التي تشرف المدرسة عَلَى جَمِيع شوؤنهن من التعليم والتربية، إلى النفقة و الإقامة والكسوة، وهي إلى ذكائها وأدبها وجدها في الدراسة وتفوقها على أكثر الزميلات ذات

جمال؛ فرغب من العالمة أن تتيح له التعرف على هذه الفتاة التي قد يقدر فتكون له زوجة. ورحبت المربية العارفة بأحكام دين الله وما يعطيه من الحقوق للناس فدخلت وأمرت الطالبة أن تأتي لها بجرة ماء من صهريج بجانب المدرسة. وذهبت الفتاة إلى الصهريج تحمل جرتين إحداهما لها، والثانية لمدرستها، فما شرعت في الاستسقاء حتّى وقف إلى جانبها رجل يرسل إليها تحية الإسلام ويطلب إليها أن تملأ له جرة كانت في يده، فردت عليه السلام، وَلَمْ تضطرب لهذا الطلب من رجل غريب، واستمرت كأن

شيئا لم يحدث، فملأت جرة أستاذتها أَوَّلا، ثُمَّ ملأت جرة نفسها، ثُمَّ أخذت جرة الغريب. وأعجب أبو مُحمَّد بهذا الخلق، وهذه الرزانة، وهذا الثبات وقال لها: "هل الله مزرعة يا جارية؟ " فقالت: "نعم". فقال: وهل" له من يحرثها؟ قالت: "نعم"، وقال: "وهل له من يحصد ذلك الحرث؟ " قالت: "نعم" قال: "وهل له مخازن؟ " قالت: "نعم! " ثُمَّ شرعت تشرح له جوابها في فصاحة وبيان قالت المزرعة الدنيا، والحراثون الناس، والحاصد الموت والمخازن الجنة والنار.

وعلم أبو مُحمَّد أَنه عثر عَلَى درة نادرة المثال، وأن أم يحيى لم تأله نصحا، وأن هذه الفتاة قد جمعت بين الجمال وكمال العقل، والأدب والعلم والذكاء والثبات، وهي صفات قلما تجتمع في شخص واحد.

وذهب أبو محمد عمّ الفتاة يخطبها، ولكن أقارب الفتاة مانعوا في أن تتزوج فتاتهم بعيداً عنهم في "تاغرمين" ولهم في بني عمها فتيان أكفاء، وَلَمَّا رجعوا إليها أخبرتهم أنها لن تتزوج إلا من يرضى عنه عمها، وكان عمها عرف ميولها إلى أبي مُحمَّد وإعجابها به فرقف إلى جانبها وأصر أن لا يفرضوا عليها زواج من يُحبون، هم، ولكنها يجب أن تتزوج من تحب، وانتصرت على تعنت الأهل والأقارب وتزوجت أبا محمد التغرميني، وعاشت مع هذا الزوج الحبيب حياة مليئة بالسعادة والحب والفهم المشترك، وكان من خلقهما أنهما ما نزلا عن