الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٤٦

الإباضية في موكب التاريخ

444

الإباضية في ليبيا (2)

فراشهما قط إلا وتحاللا، حتّى لا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء، إنه أدب سام تجلى به أولئك المؤمنون والمؤمنات الذين يعرفون قداسة الحقوق.

ظفر أبو محمد فيها بزوجة محبة، وزميلة عالمة ومربية قديرة وسيدة بيت من الطراز

الأول، فوثق بها وألقى بين يديها كُلّ مشاكل البيت والأسرة، فكان لا يعرف منها شيئًا. فَلَمَّا خطب أبو زكرياء إلى أبي محمد فتاته الحبيبة وطلب إليه أن يجهزها للعرس احتار في أمره وصار يدخل ويخرج دون أن يعرف ما يصنع وتولت الزوجة الحازمة إعداد ما يلزم، فكلما أحضرت شيئًا سألها: "أهذا لنا! " فتجيبه: "نعم"، فيدعو لها وتطمئن نفسه، حتَّى أتمت تجهيز العروس وزفت إلى بيت الزوجية وهي راضية مستبشرة. هذه الشخصية القوية التي كانت لأم زعرور زوجة أبي مُحمَّد، ومع ثقته الكاملة فيها ومع كانت لا تعمل شيئًا دون إذنه واستشارته.

زارتها المؤمنة الصالحة أم زيد فأفاضت عليها من علمها وخلقها ودينها، ولما أرادت الرجوع طلبت إليها أن تشيعها وأن تفيدها مقابل ذلك ثلاث فوائد، وقبل أن تستجيب أم زعرور لمطلب ضيفتها، ذهبت تستأذن زوجها، وأذن للزوج بل حضها على ذلك فقال لها: شيعيها ولو مت في الطريق ودفنت في "ادبيرن" و"ادبيرن" موضع في طريق وفيه مصلى لأبي مُحمَّد، وَلَمَّا كانت بالطريق قالت أم زيد لأم زعرور: "من شيع أخاه في الله كتبت له بكُلِّ

خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ولا ينبغي للمسلم أن يبقى بغير صديق يفشي ويشركه في همومه، فإن لم يجده الرجل في الرجال اتخذه في النساء، والمرأة بالعكس، وإذا اتفق رجلان على نكاح فتاة ثُمَّ رجع الخاطب أو المخطوب إليه من غير سبب بعد ما فشا أمرهما،

فلا يلقى خيرا، ولا يجد بركة".

هذه امرأة لم يُعقها الفقر عن الدراسة، ولَمْ يعقها استبداد الأهل عن الحصول عَلَى الْحَقِّ الذي خوله لها الدين، وهو اختيار الزوج الكفء المثالي، وهذا لعمري كفاح لو قامت ببعضه إحدى بنات اليوم لملأت الصحافة والإذاعة تبجحا ودعوى ولكن المرأة في ذلك الحين كانت تعمل كما يعمل الرجل، يستهدفان الحق، ويعملان للمصلحة ويقومان بالواجب المقدس نحو

النفس أو نحو الأمة.