الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٤٨الإباضية في موكب التاريخ
446
الإباضية في ليبيا (2)
سبع
وكان الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن يعرف ليبيا ويعرف رجالها فقد بقى سنوات، وأراد أن يختار واليا على ليبيا فوقع اختياره عَلَى أبي عُبيدة الجناوني، وعزز هذا الاختيار اتفاق المشايخ عليه.
ولكن أبو عبيدة رفض هذا المنصب الذي يُلقى عليه، وألح عليه الإمام وألح عليه المشايخ ولكن دون جدوى، وطالت المحاولة وشغلت فكر أبي عبيدة وأخيراً وجد الحل، قال للمشايخ الذين كانوا مجتمعين عنده يبذلون محاولة أخيرة لإقناعه إنَّه سيستشير، وغدا يسمعون الكلمة القاطعة، ونظر المشايخ بعضهم إلى بعض علهم يعرفون هذا الرجل الذي يركن أبو عبيدة إليه أكثر مما استمع إلى هؤلاء الأعلام وإلى رجاء الإمام.
ونظر الشيخ بعد صلاة العصر يصعد جبلا شامخا إلى جهة الغرب حتّى بلغ القمة، فظهرت له ربوة مرتفعة نتأ عليها مسجد يشرف على مناظر الزرقاء الساحرة، وقصد المسجد وكانت نانا مارن بجوار المحراب تناجي ربها، فسلم أبو عبيدة وجلس وأفضى إليها بذات نفسه، وحدثها عن مشكلته، واستمعت إليه كما تسمع الأم الحازمة إلى مطالب الولد المدلل، ثم قالت له: "إن تقدمت وأنت تعلم أنه يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار، وإن تأخرت وأنت تعلم أنه لا يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار"، وفكر الرجل الكبير واستعرض الرجال واحدا واحدا ثُمَّ رفع إليها رأسه وقال في احترام عظيم: "أما في الرجال فلا"، ورجع إلى "جناون" واجتمع في اليوم بالمشايخ وأعلن لَهُم قبوله لذلك المنصب فقال أحدهم: "هيا بنا نزور وقاية هي خير من عمائمنا". وكان لهذا الموقف الحازم من الجدة أثر في تاريخ بنيها لا يزال إلى اليوم يذكر بالفخر والاعتزاز، إن المرأة في ذلك الحين كانت واعية، وكانت عارفة بمجرى الأحداث والتيارات السياسية المعارضة، وكانت تعمل على توجيه الأمة الوجهة الصالحة دون أن تملأ المجالس بالثرثرة، وتشغل الأسماع بالخطب الرنانة، وتقارع الأحزاب على المنابر لتظهر براعتها في الحذاقة لا في نصر المبدأ. وجدير بي في هذا الفصل أن أذكر أمثلة من وصايا العجائز لتكون عبرة وموعظة لهذه
الأجيال.