الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٤٩الإباضية في موكب التاريخ
447
الإباضية في ليبيا (2)
15 - "نانا تابر كانت السدراتية (1) أعظم امرأة عاشت في تلك العصور الطافحة بالإيمان والعلم والخير، وقد اشتهرت بين العلماء بشهرة لم يبلغ إليها أحد في زمانها، وإذا أطلق لفظ العجوز أو لفظ الجدة أو لفظ جدة المشايخ في كتب الفقة وكتب السيرة، فالمعنى بذلك أَنهَا
العالمة الفاضلة الصالحة.
زارها جمع من العزابة فقالوا لها: أوصنا يا عجوز؟ " فقالت: "وكيف أوصيكم وأن الرجال، منكم الرسل والأنبياء، ومنكم الأمراء والوزراء، ومنكم المؤذنون والأئمة"، قالوا: "لا بُدَّ من ذلك فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، قالت: إياكم" وكثرة الكلام لئلا تكذبوا، وإياكم وكثرة الأيمان لئلا تحنثوا، وإياكم وكثرة الإدلال لئلا تسرقوا، وإياكم والتهمة لئلا تظلموا". قالت: زيارتكم طلب حوائجكم، ومصافحتكم، مقارعة، وأكلكم أكل النهماء، ومشيكم مشي المرضى، ونومكم نوم الموتى". قالوا: زيدينا قالت شر الصدور صدر لا رأفة فيه، وشر الأقدام قدم لا تزور في وشر البيوت بيت لا يدخله المسلمون وشر المال مال لا ينفق منه". ثُمَّ ترجمت لَهُم إلى اللغة البريرية قول بعض الحكماء: "نقّ العمل فإن الناقد بصير، جدد
الله
السفينة فإن البحر عميق، كثر الزاد فإن السفر بعيد، خفف الحمل فإن العقبة كؤود". أعتقد أن هذه الأسطر كافية للدلالة عَلَى مركز هذه المرأة العظيمة، واتساع علمها، و دراستها، ومعرفتها لأسرار الشريعة، وأسرار النفوس. وإنه لمن المناسب أن أنقل في هذا المقام تلك الوصية الغالية التي بعثتها نفوسية إلى زميلة لها في تاهرت فقالت لها: "لا يأكل خير ما في بيتك غير زوجك، ولا تكشفي رأسك في بيت غيرك ولو كان صاحبه في العراق، ولا تجعلي مدراك في أندر غيرك" أرادت بذلك أن لا تبدأ في إشاعة الأخبار قبل أن يتناقلها الناس. وفي الوصية الأخيرة عبرة يجب أن تفكر فيها فتاة اليوم، وذلك ما طبعت عليه المرأة من كثرة الحديث ونقل الشائعات من مكان إلى مكان.
1) راجع السير، ص 295، وادرس عنها في المعلقات في أخبار وروايات أهل الدعوة، واللقط لأبي عامر وغيرها.