الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٦

الإباضية في موكب التاريخ

44

نشأة المذهب الإباضي تحدث كثير من الفقهاء عن إيمان العجائز، وقال بعضهم: إن إيمانهن مثل لما يجب أن يكون عليه إيمان المسلم؛ لأنه إيمان بالله لا يتزعزع، ولا تنال منه الشبه مهما كثرت، وهو في سذاجته وبساطته قوي متين، قيل: إن الصحابة سألوا امرأة بحضرة الرسول الله: عن الله. فقالت: هو في السماء، فقال: «اعْتَقَهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ» (1)، ولم يطلب منهم أن يلقوا عليها مُحاضرة طويلة في استحالة التحيز والحلول عن الباري؛ لأن عقلها غير مؤهل لتلقي مثل تلك الأبحاث، فهل هؤلاء العجائز الهاربات بإيمانهن العارفات بربهن، القائمات بواجباتهن، المحافظات على دينهن المجتنبات لما حرم الله يصرن إلى النار لأنهن ينتمين إلى واحدة من هذه الفرق التي حكم عليها ظاهر الحديث بالعذاب الأليم؟ وهل يحتم الإسلام على جميع أتباع الفرق من رجال ونساء أن يبحثوا أصول هذه الفرق وعقائدها، حتّى يعرفوا الفرقة الناجية ويدخلوا فيها، لكي تشملهم رحمة الله أعتقد أن هذا التكليف يعسر عن الطبيعة البشرية، وأن سماحة الإسلام لا تقتضي التكليف بمثل هذا الأمر الشاق، الذي لا يكون في طوق المسلم العادي الذي يؤمن بالله ويراعي ربه في عمله، ويخشى الله ويتقيه في محارمه.

ورضوانه؟

وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إِن صَدَق» (2) عن الرجل الذي أقسم أن لا يتطوع بشيء فوق الفرائض مثل عن سَماحة الإسلام ويسره وتقبله لأعمال المؤمن دون تكليف بمباحث الفلسفة، والفروق بين المذاهب.

لقد رضي الله الإسلام دينا لأمَّة مُحَمَّد، وختم به رسالاته إلى الأرض، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأمة مُحَمَّد هي أمة الإجابة، والموفون بدين الله من هذه الأمة – مهما كانت الفرق التي ينتمون إليها يرجون رحمة الله ويخافون عذابه وهم أجدر أن

يتغمدهم الله بالرحمة، ويشملهم بالمغفرة، إلا مصراً على معصية، أو متعمقاً في فتنة.

1) أخرجه الربيع في صحيحه، باب العنق، رقم: 672. ومسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، باب تحريم الكلام

في

الصلاة رقم 537. وابن الجارود وابن حبان وغيرهم. (المراجع) (2) صحيح الربيع، باب في الإيمان والإسلام والشرائع، رقم: 55