الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٥٤

الإباضية في موكب التاريخ

452

الإباضية في ليبيا (2)

ما تستفيده، فرغبت أن تلتحق بالمدرسة الكبرى التي يديرها المربي الكبير العلامة عندهم أبو محمد بن إبراهيم في "تمصمص". والمسافة بين المدينتين بعيدة لا تقل عن أربعة أميال وفي المدرسة قسم داخلي ولكن

للذكور فقط، فماذا تعمل هذه الفتاة لنلتحق بذلك المعهد فتتم دراستها وتبلغ غايتها؟ عرضت أمرها على أهلها، فعارضوها، وَلَمَّا ألحت في الطلب ثار ثائرهم، وقرروا أن يمنعوها حتى بالقوة، وكيف يسمحون لفتاة في عمر الزهور أن تقطع يوميا مسافة لا تقل عن أربعة أميال منفردة، وكان أصلب الجميع في الموضوع أخوها الغيور، وتطوع أن يحبسها وأن يقوم بوظيفة السجان، ولكن جميع هذه الوسائل العنيفة لم تستطع أن تصد الفتاة عما رغبت فيه والتحقت بالمدرسة، ودرست فيها حَتَّى تخرجت منها، وكانت فيما بعد مرجعا من مراجع العلم والتقوى، وقل أن يعقد مجلس علمي لا تدعى إليه. وكان رأيها في مقدمة الآراء، وكثيرا ما اضطرت إلى قطع مسافات طويلة لحضور اجتماعات وهي حامل أو مرضع.

ليست أم ماطوس الفتاة الوحيدة التي درست فبلغت هذه المرتبة السامقة من العلم .. إن الفتيات بلغن مثل هذا المكان المرموق لا يبلغهن العد، ولكن أم ماطوس من أولئك القلائل اللائي لم يبالين نقد البيئة، ومعارضة الأهل لبلوغ الغاية العظمية، وقد فعل فعل أم ماطوس عدد من الفتيات، ومن بينهن من تحضر مجلس العلم بين الشباب فتدير على نفسها حصيرة ثُمَّ تشترك في الدرس اشتراكا حيا واعيا وهي بين الطلاب. على أن هذه الفتاة التي حطمت التقاليد وأغضبت الأهل، وحضرت مجالس العلم، أوَّلاً تسلك سلوكها هذا تحت مراعاة مربين قدراء أمثال أبي مُحمَّد خصيب، ثُمَّ كانت تحافظ على سترتها ولباسها وحشمتها، ثُمَّ كانت لا تفتح المجال للاختلاط الحر، ولا تشترك في نقاش أو حديث مع أحد إلا في قاعة الدرس.

كانت

وهناك فرق كبير بين أن يفتح المجال للفتاة كي تستمر في الدراسة حَتَّى تبلغ غايتها تحت رقابة الدين والخلق وحسن التربية ومثالية السلوك، وبين الدعوة التي ينعق بها اليوم