الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٦٥الإباضية في موكب التاريخ
463
الإباضية في ليبيا (2)
وإلياس هذا الذي ثار الإباضيَّة عليه، وطلبوا القصاص منه رجل رفعته الظروف إلى أن
الله
أصبح واليا على طرابلس، فقتل عبد بن مسعود التجيبي، وأراد أخوه عبد الرحمن أن يحول دون القصاص منه فدعاه إليه في القيروان وولاه على بعض الأعمال، ولكن هذا الر المتعطش للدم هذا دأبه.
ومرض عبد الرحمن فذهب إليه إلياس يزوره، فلما وجد منه غرة وثب عليه وأغمد خنجره
الحاد في صدره، واحتز رأسه، ثُمَّ خرج يعلن للناس قتله لأخيه وتوليه الحكم عليهم. وهكذا تنكر لمبادئ الإسلام، والشرف والإنسانية، والقرابة، وَلَمْ يعرف أي حق للأخوة،
أخوة الدين أو أخوة الدم، أو حَتَّى أخوة الجنس التي يقدسها الأستاذ الزاوي. هذا هو الرجل الذي سبب أَوَّل ثورة للإباضيَّة عَلَى الظالمين، فهل يلام شعب يثور على حاكم ظالم يقتل الأبرياء بغير ذنب، بل تصل به الدناءة إلى أن يغدر بأخيه الأكبر الذي طوق جيده بالنعم فيقتله غدرًا في داره لينصب نفسه حاكما، ولَم يكتب له أن يستمتع بالحكم الذي انتهك من أجله أقدس الحرم فقتل بخنجر ابن أخيه بعد أيام من حكمه. أين الفتنة في هذا؟ وأين تدبير المكائد؟ أعند هؤلاء الذين يطالبون بتنفيذ أحكام الله، أم عند هذا الوحش الذي يتنكر لأبسط مبادئ الإنسانية فيلغ في الدماء كما يلغ الكلب العقور ويبيح جميع ما حرم الله ليصل إلى الحكم؟
فهل يلام الإباضية أو غير الإباضية حين يضربون على يد هذا الطاغية الظلوم، ويحبسون شره عن المسلمين؟ وهل تعتبر ثورتهم هذه تدبيرًا للمكائد؟ ونزوعا إلى الفتنة؟.
إن الأمة الإسلامية لو حافظت عَلَى مبادئ الإسلام، فضربت عَلَى أيدي العابثين، وطهرت مناصب الحكم من الوصوليين والانتفاعيين لما نكبت بما نكبت به، وإن المصائب التي انصبت عليها في جميع أقطارها كان السبب الأوَّل فيها هو وصول غير الأكفاء إلى مناصب الحكم، ثُمَّ استبدادهم به، دون الرجوع إلى دين الله، واستخفاهم بحقوق الناس من أموال، ودماء، وأعراض. وكان حقا على الأستاذ الزاوي وهو يكتب التاريخ في القرن العشرين أن يجمع شات الأمة في وحدة الهدف الإسلامي.