الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٦٦الإباضية في موكب التاريخ
464
الإباضية في ليبيا (2) ا
هي
كان حقا عليه أن يسرد تلك الحوادث مجردة كما وقعت أمَّا إذا أراد أن يبدي فيها رأيه فكان حقا عليه أن يعلق بما يُمليه الحق والعدل؛ ولكن قلم الأستاذ الزاوي ينحرف عن الْحَقِّ فيسكت عن المجرم الذي أراق الدماء البريئة وتعدى حكم الإسلام ويرمى المظلومين الذين يطالبون بتنفيذ حدود الله بأنهم قوم يتلمسون أسباب الثورة، ويُنْزَعون إلى الفتنة .. ثُمَّ يلجأ كما عادته إلى البربرية والعروبة فيقول: "وما زال العرب يخافون ثورة البربر وتدبير مكائدهم"، و"أخذوا يتلمسون أسباب الثورة للانتقام"، "وما زال الإباضية في غضبهم حتى نزعوا إلى الفتنة". هذه لمزات ينثرها الأستاذ الزاوي في غير موضع من كتابه وهو في ذلك يمزج بين العنصرية، والْمَذهَبية، فيربط بين الجنس والعقيدة، ثُمَّ يرتب عَلَى ذلك أحكامه حسب العوامل النفسية ورواسب العصبية، وتطغى عليه هذه الرواسب فلا يستبين الْحَقِّ، ولا ير. أحكام دين الله، ولا يزن أعمال الناس بميزان الشرع، العادل، وَإِنَّمَا ينساق في موكب الظالمين يحدو لهم، ويبرر أخطاءهم، وينقد مخالفيهم، كأَنما كان يعيش في تلك القرون، ويتلقى العطايا من أيدي أولئك الظالمين المترفين.
إلى
وهذا موقف غير شريف يقفه عالم مسلم فإن امتداح الظلم وأهله، والتصفيق للطغاة والجبابرة، والسير في ركاب المستعبدين الظالمين في ذلة وهوان شنشنة ذهب بها الزمن فلن تعود، وتنزَّه عنها حتَّى أولئك الذين لم يكرمهم الله بالإسلام.
- ويقول الأستاذ الزاوي في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» (صفحة 119): "وكان - أي أبو الخطاب - من اشد خصوم سياسة العرب في أفريقيا، وقاتلهم انتصارا لمذهبه، وقد أخلص للبربر إخلاصا جعله منهم في محل التقدير والإعجاب". إن أبا الخطاب الذي يتحدث عنه الأستاذ الزاوي بمرارة في هذه السطور عربي ثابت العروبة، بايعه سكان ليبيا من الإباضية وغيرهم إماما ليحكم فيهم بكتاب الله. وأبو الخطاب رجل يعتز بإسلامه، ويعتز بأخلاقه، إنَّه يعتز بدينه لا بجنسه، وما الجنس عنده إلا خرافة لا يستمسك بها إلا المهازيل، وَلَمْ يكن أبو الخطاب ينقم على العرب أو البربر، وَلَكِنَّه كان ينقم على الطغيان عند أصحاب الحكم، وعلى الانحراف عن الدين الْحَقِّ، إنه كان يثور على تلك السياسة التي ينتهجها ذووا النفوذ من العرب والبربر جَمِيعًا ما لم تتقيد