الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٦٧الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
بقيود الإسلام؛ لأن الأستاذ الزاوي لا يعير الحكم الإسلامي أي اهتمام في هذه الناحية، فهو غارق إلى أذنيه في قضية العصبية ويرى أن ما يعمله العربي يجب أن يكون مقبولا، ومن
اشد
عارضه بإحدى التهمتين الخطيرتين: أن يكون من البربر أو أن يكون من الخوارج. وَلَمَّا لَم يجد الأستاذ الزاوي ما ينتقده على أبي الخطاب قبل أن يبايع بالإمامة على ليبيا، وبعد أن تولى أمر المسلمين، لَمَّا يَجد ما ينتقده عليه لجأ إلى إثارة عواطف الدهماء واستنص بقضية العرب والبربر كما هو شأنه في كامل كتابه فقال: "وكان أي أبو الخطاب- من سياسة العرب في أفريقيا". خصوم إن الخصومة ليست بين العرب والبربر كما أراد أن يصورها الأستاذ الزاوي، ولكنها بين الناس استولوا على الحكم إما بطريق القوة أو التخويف، أو التضليل بتمويه الحقائق في نظام الحكم الإسلامي، حتّى أضفوا على أنفسهم شرعية الحكم، وبين طائفة أخرى لم يؤثر عليها الإغراء، ولم يرهبها التخويف، وَلَمْ يجز عليه التضليل والتمويه، فوقفت موقف المعارضة تطالب بالاستمساك بدين الله وتطبيق أحكامه بالقول حين يجدي القول، وبالثورة البيضاء أو الحمراء حين يصر المنحرفون عن دين الله عَلَى موقفهم.
الله
ومن ظلم الحقيقة، ومن ظلم التاريخ ومن ظلم الإسلام أن نقول إن هذا الموقف هو موقف البربر فقط، أو موقف العرب فقط، أو موقف المسلمين الذين آمنوا برسالة الإسلام وتأدبوا بأدب محمد، وعز عليهم أن يغلب الشيطان أصحاب الحكم فينحرفوا بدين عن مجراه، فوقفوا في كُلِّ ركن من أركان الوطن الإسلامي يحاربون الباطل الذي استعلن لنفسه شرعية الحكم، وخوّل لها الاستبداد والفساد وأرسل أبواق الدعاية تلفق التهم وتختلق الأكاذيب، وتحدث من الضجيج ما تود أن تستر به دعوة الحق والحرية المنبعثة من المؤمنين الصادقين في كُلّ فرقة من فرق الإسلام.
فادعي
ومنذ اختار الله لمحمد الله أصحابه، وساوى بين الرومي والحبشي والفارسي والغربي، انصهرت القوميات والجنسيات في الدين، وأصبح الرباط الذي يريط المسلمين هو رباط العقيدة، الرباط الذي اختاره خالق الإنسان ليكون العلاقة المتينة بين أفراد الإنسان، واقتنع المؤمنون بذلك وآمنوا وعملوا به، وَلَمْ يعد يلتجئ إلى الجنس أو القومية من العرب أو البربر