الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٦٩الإباضية في موكب التاريخ
467
الإباضية في ليبيا (2)
" وهذه الكلمة - أي لا حكم إلا لله) - التي اتخذها الخوارج ذريعة للخروج على سيدنا علي،
وأصبحت شعاراً لهم، ولا ندرى كيف يقولها الإباضية وهم ينكرون أنهم من الخوارج". إن الأستاذ الزاوي وهو يكتب تاريخ ليبيا كان أسير فكرة معينة، هذه الفكرة تتلخص في أن سكان ليبيا ينقسمون إلى قسمين: بربر وعرب وأن البربر تجمعهم جامعة واحدة هي أنهم خوارج، فهم بين رذيلتين في نظر الزاوي، كونهم بربرا، وكونهم خوارج، وهم لذلك يجب أن يتحملوا جرائر التاريخ وعندما يثورون يقف الأستاذ الزاوي موقف القاضي الحازم دون أن ينظر إلى الموضوع، أو أن يستمع إلى دعوى الطرفين ويصدر حكمه بإدانتهم، وعندما يتنصلون تهمة ألحقت بهم أو ضلالة نسبت إليهم ويقيمون على ذلك الأدلة والبراهين يبتسم. الزاوي ابتسامة صفراء، ويهز رأسه هزة خفيفة فيها مسايرة ظاهرة، وفيها تكذيب داخلـ قاطع، فإذا بدرت من أحدهم كلمة أو إشارة مال في جد ووقار إلى يمينه وإلى شماله يقول في
الأستاذ
صرامة: ألم أقل لكم إن هؤلاء يكذبون، إِنَّهُم، بربر، وإِنَّهُم خوارج، أرادوا أو لم يريدوا. يا سبحان الله، لماذا هذا التحامل كله؟!، إن هذا انحراف عن الصراط السوي، وابتعاد عن إعطاء النصفة والحق .. ماذا تعني كلمة "لا حكم إلا الله"؟ وما هي الظروف التي نشأت فيها؟ ولماذا يغضب عليها الأستاذ الزاوي؟ إننا لكي نجيب على هذه الأسئلة يجب أن نستعرض الفترة التاريخية التي ولدت فيها هذه الكلمة وموقف الأمة منها.
خالف معاوية بن أبي سفيان إجماع الأمة، وأشعل نار الفتنة، وجهز جيشا لمحاربة الخليفة الشرعي الذي اختاره المسلمون وقابله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بما يقابل به خليفة شرعي فئة باغية، فجهز جيشا من أبطال الإسلام، وقاده بنفسه، والتقى الجيشان في صفين، وابتدأ القتال .. وعرف معاوية أنه إذا لم يلجأ إلى الحيلة فَإِنَّهُ سوف يخسر القضية في أقرب
مما يتوقع، ومهد لذلك بتكوين طابور خامس في جيش علي، ثُمَّ دعا إلى التحكيم. وعرف علي وعرف الصحابة مقصد معاوية من التحكيم، وأنها إحدى المكائد التي تفتق عنها ذهن عمرو بن العاص، ولذلك قال علي: "إِنَّمَا قاتلناهم بكتاب الله"، وأصر هو وأصحابه على
1) قال تعالى في محكم كتابه العزيز: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إلا لله يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} (الأنعام: 57).