الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧٠الإباضية في موكب التاريخ
468
الإباضية في ليبيا (2)
الجهاد، ولكن الطابور الذي كان يقوده أكبر صنائع معاوية الأشعث بن قيس كان قد عمل عمله في الجيش ومالت الأغلبية إلى قبول التحكيم، وحينما كان علي والمخلصون من أصحابه يكافحون لإقناع بقية الجيش بصواب موقفهم ونبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية التي لجأ إليها الفريق الباغي، لخص أحد أصحابه موقفهم في هذه الكلمة المشهورة "لا حكم إلا الله"، وكانوا يصيحون بها في جوانب الجيش ويرددها أنصار علي في كُلّ موقف، وكان علي يستمع إليها راضيا بها وهو يناقش الناس ويدعوهم إلى التمسك بمضمون هذه الكلمة، وعدم الانخداع بحيل معاوية؛ لأن قضيتهم واضحة، وقد حكم فيها الله له من فوق سبع سماوات. وشاءت إرادة المولى الحكمة يعلمها أن لا تستجيب الأغلبية لعلي، وأن تميل أكثرية الجيش إلى دعاة الهزيمة، وأن يتغلب الأشعث بن قيس - صنيعة معاوية- على المناضلين من أجل الْحَقِّ، فيجد الإمام نفسه مضطرًا إلى التخلي عن مبدئه وترك الصفوة من أصحابه ليحافظ على الأغلبية ويسير معها؛ فرضي بالتحكيم مرغماً، وإلى هذه اللحظة التي رضي فيها علي بالتحكيم وموافقة الأغلبية، كانت كلمة "لا حكم إلا لله" تعبيراً عن موقفه، وشعارا لمبدئه، بل إنها تعبير وشعار لكُلِّ مؤمن يُحكّم كتاب الله فيما شجر فيه خلاف بينه وبين الناس.
وانعزل معارضوا التحكيم إلى جانب واستمسكوا بموقفهم الذي كانت تعبر عنه هذه الكلمة أصدق تعبير، ونشأ عن هذا التطرف موقف آخر متطرف كُلّ التطرف، فإن الكلمة حينما أطلقت وقصد منها أنَّه لا يجوز للناس أن يحكموا فيما نزل فيه حكم الله، وذلك ما فهمه الإمام علي ورضي به وفهمه المعارضون وعملوا به، ولكن ناسا من المتطرفين فيما بعد، زعموا أنه لا حاجة إلى الإمارة، وأَنَّهُ لا داعي لأن يكون للمسلمين حكومة، وحملوا كلمة لاحكم إلا لله" هذا المقصد الهدام، وهذا التطرف هو ما سخطته الأمة، وردته عنهم .. وتولي الإمام علي شرحه بإسهاب وإيضاح، لا يبقى بعده إشكال. قال الإمام علي يرد على أولئك المتطرفين الذين خرجوا بكلمة "لا حكم إلا الله" عن معناها الذي وضعت له (1): "كلمة حق يراد بها باطل نعم إنه لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون
(1) أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 259.