الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧١الإباضية في موكب التاريخ
469
الإباضية في ليبيا (2)
لا إمرة إلا الله، وإنه لا بُدَّ للناس من أمير بَر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ فيها لأجل، ويجمع بها الفيء، ويقاتل فيها العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ به
لا
للضعيف من القوي، حَتَّى يستريح بر، ويستريح من فاجر". فهل يرضى الأستاذ الزاوي أن يكون الإباضيَّة عَلَى رأي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فيعترفون أن كلمة "لا حكم إلا لله" كلمة حق كما يعترف بذلك أمير المؤمنين، فقال: نعم إنَّهَا كلمة حق، فإذا تنطع متنطعون فأرادوا بها الباطل، وتطرف متطرفون فزعموا أن الأمة ليست في حاجة إلى الإمارة، فإن الإباضية يردون هذا الباطل كما رده الإمام، ويدفعون هذا التطرف كما دفعه لا كما يُحملونها غير المعنى الحقيقي الذي وضعت له. فهل يظن الأستاذ الزاوي أن أمير المؤمنين كان من الخوارج؛ لأنه ينطق بكلمة "لا حكم إلا لله" ويعترف بأنها حق، ويتخذها شعاراً، وهو يحارب خدع المحتالين، وكيد الكائدين، فلما جاء قوم وخرجوا بها عن معناها وعن الغرض الذي قيلت فيه شرحها شرحه الخالد الذي حدد فيها حدود الْحَقِّ والباطل، فنص أَنَّهَا كلمة حق، وأن الباطل فيها هو هذا التطرف والغلو، الذي يزعم أن الأمة لا حاجة لها في الإمارة، فرد عليهم رده الحاسم، ومن المؤسف أن المتطرفين من الجانب الثاني حملوا كلام الإمام علي غير ما يريد وابتتروا منه جملة واحدة يؤيدون بها ما يريدون، وعندما يسمعون كلمة "لا حكم إلا الله" يردون بسرعة: "كلمة حق أريد بها باطل، ولا يحملون أنفسهم مشقة الفهم، فهم سياق الكلام الذي شرح به الإمام هذه الجُملة، فلا ينظرون إلى قوله: "نعم، إنَّها كلمة
حق"، ولا إلى قوله الذي أوضح به موضوع النقد: "ولكن هؤلاء يقولون: "لا إمرة إلا الله". إن أمير المؤمنين لم ينتقد كلمة الْحَقِّ وَإِنَّمَا انتقد التطرف فيها، والخطأ في فهم معناها، والإباضية كسائر المسلمين ينتقدون هذا التطرف وهذا الخطأ.
فهم لا يحفلون بآراء الناس فيما نزل فيه حكم الله، وهم يدعون إلى تكوين دولة مسلمة ترعى الأمة المسلمة، ويطالبون أن تكون الدولة مخلصة في العمل بأحكام الله، فإذا انحرف ولاة الأمر عن دين الله. الله طالبوهم بالرجوع إلى دين