الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧٢الإباضية في موكب التاريخ
470
الإباضية في ليبيا (2)
ولو تأمل الأستاذ الزاوي سيرة الإباضيَّة في مختلف أدوار التاريخ، ووزنها بميزان الْحَقِّ، مبتعدا عن المؤثرات الخارجية التي تركت في نفسه رواسب تحول دون الإنصاف، لكان حكمه عليهم أنزه، وموقفه معهم أشرف وأكرم وكفاهم وكفى نفسه هذه اللمزات المنتثرات.
ه - قال الأستاذ الزاوي في كتابه السابق (ص 122): "واستولى أبو الخطاب عَلَى عسكره أي عسكر أبي الأحوص العجلي - ورجع بغنائم كثيرة إلى طرابلس وكان ذلك سنة مائة واثنتين وأربعين هجرية.
هذه لمزة خفيفة، قد يكون الأستاذ الزاوي استند فيها إلى مؤرخين لا يتحرون الحقيقة ولا يسجلون الوقائع كما هي، وإلا فإن الأستاذ الزاوي يعلم أن أبا الخطاب لا يستحل أموال البغاة من المسلمين، ولا يسمح لجنده أن يغنموا منها شيئًا، وقضية أبي الخطاب مع جميل السدراتي واضحة الدلالة في هذا الموضوع.
فإن أبا الخطاب بعد أن انتصر على ورفجومه في القيراوان واستسلمت له المدينة، تفقد القتلى فوجد واحدا منهم مسلوبًا، وسأل عن السالب فلم يعرفه، فاصدر أمره في الجيش أن يرد السلب الذي أخذ من القتيل، ولكن أحدا لم يبادر إلى رد ما سلب، وفي الطريق جرى سباق بين الفرسان واشترك فيه جميل السدراتي، فشاء له سوء حظه أن يسقط عن فرسه ويتكشف سرجه عن المتاع المسلوب، فأخذه الإمام وأجرى عليه الأدب، وغضب جميل وفر إلى العراق، وبقي سنة كاملة في بغداد يحرض الخليفة أبا جعفر المنصور على أبي الخطاب لينتقم لنفسه.
هذه قصة جميل السدراتي، ملخصة وإن إماماً يعاقب فردًا واحدا من الجيش غره
الشيطان فأخذ سلب قتيل لا يمكن أن يغنم الغنائم الكثيرة، ويرجع بها إلى طرابلس .. على أن سيرة أبي الخطاب في الحروب معروفة، وحكم الإسلام في هذا واضح لا غموض فيه ولا إيهام. وتاريخ الإباضية في حروبهم مع الموحدين جرى على نسق واحد لا طغيان فيه ولا تعدّي، ولا استحلال العرض أو غنيمة لمال.