الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧٧الإباضية في موكب التاريخ
475
الإباضية في ليبيا (2)
سليمان باشا هو الذي أغضب الأستاذ الزاوي، فعلق عليها بالتعليق السابق، بل لقد اختبرها بمقياس العقل والمنطق فلم تثبت في الاختبار.
ويؤسفني حقا أن يحيد عن الإنصاف مؤلف مسلم في هذا العصر، فينصب نفسه حكما في التاريخ يثبت هذا أو يسقط ذاك، فالأستاذ الزاوي نفسه الذي يستكثر هذه الكرامة على مؤمن من المؤمنين ينقل عددًا غير قليل من هذه الكرامات لأشخاص آخرين رضي عنهم، بعضها أغرب من هذه الكرامة التي يكذبها ويجعلها خرافة، وأنا حين أتحدث عن الكرامة سواء منها ما نقله الباروني أو ما نقله الشماخي أو ما نقله الزاوي أو ما وجد في كتب التاريخ لغيرهم أحترس، فلا أزعم أنني أكذبها ما دام أصحابها مشهورين بالصلاح، معروفين بالتقوى. إن الأستاذ الزاوي الذي يستكثر أن تنسب الكرامة إلى مهدي النفوسي، ويحسب ذلك خرافة ويجعل، نقلها سببا للطعن في أخبار ناقليها وعدم تحريهم، هو نفسه ينقل عددا غير قليل مما
يسميه كرامات في كتابه أعلام ليبيا» وينقل في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» ما يلى: "جاء في رياض النفوس" أن عقبة قال في ندائه: "أيتها السباع ادخلوا، فإنا أصحاب رسول الله، فنظر الناس في ذلك اليوم إلى أمر عظيم نظروا إلى السباع تخرج إليهم من الشعران (1) تحمل أشبالها، والذئب يحمل أجراءه، والحية تحمل أولادها سمعا وطاعة". نقلت هذه القصة عن الأستاذ الزاوي لا لأكذبها ولكن لأبين للقارئ الكريم أن الأستاذ الزاوي لم يكن منصفا وهو يستعرض أحداث التاريخ، فهو في قصة مهدي يريد أن يخضع الكرامة للعقل والمنطق، وَلَكنَّهُ في كرامة عقبة ينسى العقل والمنطق. وإلا فأي عقل اليوم يصدق أن رجلا يقف بجانب دغل ويأمر ما به من الوحوش بالخروج فتسمع له وتطيع، ثُمَّ تبدأ في تنفيذ الأمر والناس ينظرون، فإذا بالسباع والذئاب تخرج من بينهم حاملة أجراءها، وإذا بالحيات تحمل أولادها؛ فاذا صدق العقل هذه الهدنة التي وقعت بين الوحوش فكانت تخرج أسرابا مع بعضها البعض لا يثب الذئب على الظبي، ولا يعدو الأسد على
(1) ضرب من الرمث أخضر يضرب إلى الغيرة مثل قعدة الإنسان ذو ورق، ويقال هو ضرب من الحمض. انظر:
العين، مادة: شعر. (المراجع)