الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧٨الإباضية في موكب التاريخ
476
الإباضية في ليبيا (2)
الوعل، وقبل هذا الموقف الذي يصور الوحوش وهي تستعرض رشاقتها، فتخرج بين صفوف من الناس الذين وقفوا يمتعون أنظارهم بهذا المنظر الفريد .. إذا قبل العقل كُلّ ذلك وطلب إلى هذا الرجل الذي روى القصة وشاهد الحيات تحمل أولادها وهي منطلقة في زحفها خارج الدغل أن يصف كيف تحمل الحيات أولادها؟ هل تربطها على ظهرها وهي خارجة تتلوى، وهل كانت تركبها على الطول أم العرض، أم أنها تمسكها من أذنابها الدقيقة وتجرها معها، وهل كانت عاطفة الأمومة عند الزواحف في ذلك الحين أقوى منها الآن، بحيث تحضن بيضها وتنظره حتّى يفقس فتتولى تلك الفراخ الزاحفة بالرعاية، حتّى إذا انتقلت نقلتها معها؟.
أليست هذه القصة ممَّا لا يقبله العقل، ألا يَدُلُّ نقلها عَلَى عدم التحري في نقل الأخبار. إنني لا أستكثر على عقبة بن نافع هذه الكرامة أو أكبر منها أو أصغر، ولا أستكثر على غيره من المؤمنين الصادقين أن يفيض الله عَلَى أيديهم ما يشاء من الأسرار.
ولكنني أحادث الأستاذ الزاوي بالعقل الذي يحتكم إليه حينا ويتركه حينا آخر، أما أنا فأحسب أن الكرامة غير خاضعة لمقاييس البشر، فإذا أردنا أن ندخلها في حساب التاريخ فعلينا أن ننقلها كما رويت لا نزخرفها بالخيال ولا نشوهها بالنقد، ولا نستكثرها على رجل اشتهر بالتقوى والصلاح، فإن ينابيع رحمة الله وقبول أعمال شخص من الأشخاص ومترلته عند الله ممَّا لم يكشف عنه الغيب، ولم ترفع عنه الحجب.
والعلماء الذين تحدثوا عن كرامة الأولياء ذهب أكثرهم إلى أن الكرامة لا تأتي مع التحدي فتنقلب، معجزة، كما أَنَّهَا لا تكون تابعة للرغبة، والإرادة ولا تكون بحال من الأحوال لصاحب معصية.
وكيفما كان الحال فإن المؤرخ النزيه يجب أن يكون له خلق يعصمه من التجني على عباد الله، وأن يتخذ لنفسه مبدءًا يسير عليه، ويحتكم إليه متجردًا عن رواسب العصبية المجنونة. - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب (صفحة 164):
"أما الإباضية فكان موقفهم من الشيعة هو موقفهم من أهل السنة، موقف التحفظ، وعدم الامتزاج، والنظر إلى غير العنصر البربري نظرة الغريب المحتل، وعلى هذا دأبوا، ولم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا".