الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧٩الإباضية في موكب التاريخ
477
الإباضية في ليبيا (2)
هذه لمزة لئيمة من الأستاذ الزاوي، وهي تناقض نفسها، فبينما يقرر في أوَّل هذا الفصل نفسه أن دولة الشيعة دولة بربرية يقول إن الإباضيَّة يقفون معها موقف التحفظ وعدم
يرميهم
الامتزاج، ثُمَّ يزعم أن الإباضية ينظرون إلى غير العنصر البربري نظرة الغريب المحتل. لماذا ينظر الإباضيَّة إلى الشيعة نظرة الغرباء، ويقفون معهم موقف التحفظ وهم بربر، لو كان للجنس عندهم حساب؟ عجبا، إن الإباضية يقاتلون ورفجومة" و"صنهاجة" و"كتامة" وهي أكبر قبائل البربر، ومع ذلك الأستاذ الزاوي بالتعصب العنصري للبربر، ثُمَّ يزعم أنهم دأبوا على هذا التعصب العنصري، وأنهم لم تسنح لَهُم فرصة للثورة إلا ثاروا، وهو بهذا الكلام يناقض نفسه، فبينما يزعم في (صفحة 164): "أن الإباضية لم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا" يقول في نفس الكتاب (صفحة 126): "وكان الإباضية أقرب طوائف البربر إلى العرب، وأقل نزاعا معهم، ولذلك تجد أكثر الثوار على أمراء أفريقية العرب من الصفرية وغيرهم من النحل المتطرفة. انتهى كلام الزاوي بحروفه. إني أضع هذا الكلام المتضارب المتناقض أمام القارئ الكريم ليعلم أن الزاوي حينما كان يكتب التاريخ الليبي لم يكن رائده الإنصاف وَالْحَقِّ، وإنه لم يُحمل نفسه عناء التفريق بين أجناس الناس ومذاهبهم الدينية، ومبادئهم الاجتماعية أو السياسية، وأنه كثيرًا ما يعمد إلى الغموض والإبهام للتمويه، وَأَنَّهُ لَم يصدق في تعليل الأحداث التاريخية؛ لأن قضية العنصرية كانت تشغل كُلّ حيز في تفكيره، فهو لا يقبس حياة العصور إلا بهذا المقياس، لا يبالي فيهـ
الْحَقِّ أو الخلق أو الدين. وَإِنَّهَا لحقيقة تاريخية أن يعرف الأستاذ الزاوي أن الإباضية لم يفكروا يوما من الأيام في الجنس البشري الذي ينتسبون إليه، وَلَمْ يفرقوا بين البربر والعرب وغيرهم من الناس، فهم يعتبرون المسلمين إخوة، يتولون من تثبت عندهم عدالته واستقامته ويبرأون ممَّن يثبت عندهم عصيانه وفسوقه، ويقفون فيمن لا يعرفون موقف التحفظ .. هذا الموقف المحدود الذي يقفه الإباضية مع العرب، ومع البربر، ومع الترك، ومع الهنود، ومع غيرهم من الأجناس، ولو راجع الأجناس، ولو راجع الأستاذ الزاوي أحداث التاريخ التي رواها هو نفسه، ونزه قلمه وقلبه من الرواسب التي تركتها فيهما عنصرية بغيضة لرأي أن الإباضيَّة لم يتأثروا في أي يوم بجنسهم؛ لأنهم هم أنفسهم يتكونون من عرب