الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٨٠

الإباضية في موكب التاريخ

478

الإباضية في ليبيا (2)

وبربر وفرس وغيرهم، وأن تحفظهم إذا تحفظوا في موقف مع فرقة من المسلمين تخالفهم في الْمَذهَب، فذلك راجع إلى أصولهم الدينية فحسب، كما تتحفّظ كُلّ الفرق بالنسبة إلى مخالفيها. والحروب التي دفع إليها الإباضية في ليبيا أو تونس أو في الجزائر كان أكثرها مع البربر لا مع

ومن

العرب، كما أن الحروب التي دفعوا إليها في عمان أو في العراق أو الجزيرة كانت مع العرب. هذا يتضح أن ما يريد أن يوحي به الأستاذ الزاوي من تفريق كلمة الأمة باطل من أساسه، وأن كلمته: وَلَمْ" تسنح لَهُم فرصة للثورة إلا ثاروا" لمزة لئيمة متجنية يكذبها الواقع والتاريخ أشد تكذيب، وَلَعَلَّه من المناسب أن أستشهد في هذا المقام بالكلمة الرائعة التي علق بها أمير السيف والبيان سليمان باشا الباروني - أعظم رجل أنجبته ليبيا في تاريخها الطويل- على سلم العامة والمبتدئين" قال الباشا الباروني في تعليق له على الانقلاب السلمي الذي قام به الإباضية بقيادة أبي الخطاب عبد الأعلى: "ربما يفهم من لا علم له من مثل هذه الحركة أن الإباضية يوجبون الخروج عَلَى كُلّ حال، أو يوجبون أن يكون الإمام منهم لا بد في كُلّ، وقت، وغير ذلك، مما هو من قواعد الصفرية والأزارقة والشيعة التي هي كثيرًا ما نسبها متعصبوا المؤرخين للإباضية، وليسوا منها على شيء، وكتب الإباضية تشهد بذلك".

فالإباضية ليسوا منغلقي الذهن، فيتجاهلون العالم الإسلامي الفسيح وما يضطرب فيه من آراء وأفكار واتجاهات وقوى، ولذلك فعندما يكون السلطان منهم يوجبون عليه أن يسير سيرة العدول في المسلمين باختلاف مذهبهم ونحلهم، وإذا كان السلطان من غيرهم من الفرق المسلمة يتعاونون معه في إخلاص، ما دام في إخلاص، ما دام محافظا عَلَى حدود الله قائما بدين الله عَلَى مذهبه، فإذا انحرف عن ذلك فإن الإباضية لن يتعاونوا مع منحرف عن دين الله، فإذا بلغ به الطغيان إلى استحلال الدماء والأموال التي حرم الله فزع الإباضية إلى سيوفهم، فردوا عدوان المعتدين إلا إذا لم يستطيعوا.

وهذا الموقف هو موقف الإباضية بالنسبة إلى ولاة الأمور، سواء كانوا أشعرية، أو شيعة، أو معتزلة، أو إباضية أو من غيرهم من الفرق فهم إِنَّمَا يطلبون من ولاة الأمور استقامتهم وعدلهم واهتمامهم بقضية الأمة، ولا يهتمون لمذاهبهم وأجناسهم.