الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٨١

الإباضية في موكب التاريخ

479

الإباضية في ليبيا (2)

ومن رجع إلى جميع الثورات التي قام بها الإباضية في ليبيا والتمس أسبابها فَإِنَّه لن يجد إلا ردا لعدوان أو طلبًا لحق، ولن يجد في تلك الأسباب نزاعًا عَلَى سلطة أو طلب الدنيا، أو رغبة في مال. 9 - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب (صفحة 173):

يبال

"وكان معه أي مع المعز - جماعة من الإباضية، فهربوا إلى إخوانهم في جبل نفوسة، فلم بهم، وحمد الله أن طهر جيشه من المنافقين".

هكذا يقول الأستاذ الزاوي، لا يخشى الله، ولا يستحي من الناس.

إن المعز أذكى من أن يطمع في أن يكون في جيشه ناس من الإباضية يساعدونه على الظلم، ويقومون معه بالعدوان، ولذلك فهو لم يطالبهم بذلك، وَلَمْ يرجه منهم، وما حفظ التاريخ أن الإباضية دخلوا في جند مرتزقة، يعملون فيه بأجر دنيوي، إِنَّهُم إِما أن يحاربوا من أجل إعلاء كلمة الله فلا يتقاضون عَلَى ذلك أجرًا من غير الله، وحينئذ لا يكونون أعوانا لظالم كالمعز، وَإِمَّا أن يُحاربوا دفاعًا عن أنفسهم .. أما أن يكونوا آلة يُسيرهم طلاب الشهوات، وعبيد الدينا من ملوك الأرض فذلك ما لم يسجله عليهم التاريخ في يوم من الأيام قبل الحروب الإيطالية في ليبيا. أمَّا

هؤلاء النفر الذين قبض عليهم المعز -وهو مرتحل إلى مصر - خوفا من أن يقوضوا

دعائم ملکه من بعده، فلما وصل طرابلس وجدوا غرة من حرسه ففروا إلى إخوانهم،

واعتصموا بالجبل المنيع الذي صمد للعدوان قرونًا متطاولة، أما هؤلاء النفر فليسوا على الظلم، ولَكنَّهم كانوا من الشخصيات القوية ذات النفوذ، وكان يخشاهم في مغيبه، ولذلك حرص أن يأخذهم معه، فَلَمَّا هربوا منه إلى الجبل أقض ذلك مضجعه، ولكنَّه كان لا يستطيع صنع شيء من أولئك الأبطال الذين يعتصمون بالقمم الشماء، فإن الجبل كان ملجأ للأحرار عندما تضيق بهم مواطن الطغيان، وفي هذه الحادثة التجأ إلى الجبل عدد غير قليل من عسكر المعز، من مختلف المذاهب والطوائف، كما التجأ إليه زعماء الإباضية.

قال الأستاذ أحمد النائب في تاريخه "المنهل العذب" (صفحة (100): "وسار - أي المعز- إلى طرابلس ومعه جيوشه وحواشيه، فهرب منه جمع من عسكره إلى جبل نفوسة، فطلبهم فلم يقدر عليهم".