الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٨٢الإباضية في موكب التاريخ
480
الإباضية في ليبيا (2)
وهذا نص يكذب زعم الزاوي: أن المعز لم يبال بالجند الفار إلى جبل نفوسة ولكنَّه طلبهم
فعجز عنهم:
بقيت الكلمة الأخيرة التي انطلقت من الأستاذ الزاوي كما تنطلق كلمة السب من المحنو وهي قوله: "وحمد الله أن طهر جيشه من المنافقين".
المغيظ
هل فكر الأستاذ الزاوي قبل أن يرمي هؤلاء الناس بالنفاق، وحاسب نفسه وضميره، وعرف الحقيقة التي كان عليها القوم. إن الحكم بالنفاق على رجل يؤمن بالله ليس أمرا سهلا، فهل يسمح لنا الأستاذ الزاوي أن نستعرض الموقف التاريخي في ذلك الحين على حسب ما يتصوره الزاوي نفسه، ونرى ما هو الحكم الديني الصحيح الذي يمكن أن تطلقه على أولئك الناس الذين تفصل بيننا وبينهم عشرة قرون.
أنه هذا ملك غرته الحياة الدنيا ونسي بشر ضعيف، وخدعه الشعراء بقولهم فيه: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار هذا الملك المغرور الذي يستمع إلى الكفر الصراح يُمدح به، يجهز جيشا ينفق عليه الملايين من أموال الأمة ليحارب به المسلمين في مصر وسوريا، فإذا كان ببعض الطريق يفر جمع من هذا الجيش الذي يرغم عَلَى مُحاربة الإخوان في الدين، ويلتجئون إلى حمى منيع لا تصله يد هذا الملك، فما هو الحكم فيهم يا ترى؟
إن الأستاذ الزاوي يحكم عليهم بأنهم منافقون؟
فما هو الإيمان إذن في نظر الزاوي؟ إِنَّه استعباد الناس، واستحلال دمائهم وأموالهم، ومشاركة الله في ملكه والعدوان والبغي والظلم، فتلك هي أعمال أولئك الذين يرى الزاوي أن الخروج عليهم نفاق، ذلك هو المعنى الذي يسلم إليه منطق الأستاذ الزاوي، ولكننا نظن بالأستاذ الزاوي خيرًا، ونَحسب أن المقاييس لم تنقلب عنده هذا الانقلاب، ولكنه رجل مخدوع بالمظهر، فهو يحسب أن مُخالفة الحكام وعدم الانقياد لهم حتى في ارتكاب المعصية أمر لا يصح، ومن خرج عن طاعة ولاة الأمر ولو كانوا ظلمة فاسقين حكم عليه بالنفاق .. وهذه وجهة نظر ذهب إليها كثير من الفقهاء المرتزقة، والسائرين
في ركاب الظالمين، يبررون أعمالهم، ويمهدون لسلطانهم.