الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٨٩

الإباضية في موكب التاريخ

487

الإباضية في ليبيا (2)

ومع أن ينابيع الثروة في ذلك الحين كانت أضأل منها في العصور التالية جَمِيعًا، فقد عاش ذلك المجتمع المسلم لا يشعر بحرمان، وَلَمْ تنشأ فيه غريزة الاكتناز، ومحبة الترفه والبطالة والإثراء من أقرب سبيل، إلا بعدما انقضت الخلافة الرشيدة.

الله

عنهما -

وإنه لعجب حقاً أن تجد المجتمع المسلم في عهد الصديق أو عهد الفاروق -رضي، يسوده الرضا والطمأنينة، والسعادة، فَلَمَّا نشأت فكرة الاكتناز، وبدأ أصحاب السلطة يميلون إلى الدعة والاستغلال والتشبه بالدول غير المسلمة، بدأ التذمر والسخط وعدم الرضا، ثُمَّ النقد والاندفاع والثورة، ثُمَّ بدأ التقلقل الاجتماعي والتغلغل السياسي، رغم فيضان الأموال، واتساع موارد الثروة بين الناس، ثُمَّ انحرفت الموازين الدينية، والمقاييس الأخلاقية عن الاتجاه الإسلامي، فأصبحت أحكام الشريعة وسائل للحساب لا للسلوك، وأسبابا للعقاب لا للحق، وركائز للانتقام لا للعدل، فلا يهتم ولاة الأمر بمخالفة الناس لدين الله، إلا إذا أرادوا الانتقام من شخص؛ لأنه لا يريد أن يجري معهم في الفلك الذي هم فيه يسبحون، ثُمَّ ازدادوا خطوة

المال،

أخرى في الابتعاد عن دين الله وأحكام شريعته، فلم يعودوا يأبهون إلى الحلال والحرام من فكما أباح بعض الأفراد لأنفسهم كُلّ الطرق لجمع المال، كذلك أباحوها للدول، ولم يعد يهمهم أن تجمع ميزانية الدول من الضرائب والمكوس، وأن يدخل فيها ما يأتي عن طريق الربا والبغاء، وبيع الخمور، ومصادرة الأموال التي لا يبيح الشرع مصادرتها، ومن غير ذلك من الأموال التي لا تجد بابا في ميزانية الاقتصاد الإسلامي.

وماذا يضير الدول الإسلامية لو أنها طهرت أرضها من الخمر ومن الربا ومن البغاء، ومن مصادرة الأموال بغير حق، وما إلى ذلك مما يبعد عن شريعة الله.

فهل تخشى من غضب السكارى؟ أم من غضب الفاسقين؟ أم حنق المرابين؟! لقد فتنت بعض الدول الإسلامية اليوم بأنظمة الغرب أو أنظمة الشرق، وجرى بعضها وراء هؤلاء، وبعضها وراء أولئك، وأجروا عَلَى الشعوب الإسلامية عددًا من أخفق أغلبها، فلماذا لا تجري تجربة جديدة؛ فنعود إلى أنظمة الإسلام في السياسة والحكم

والاقتصاد.

لماذا لا نعود إلى هذا المنهج القويم الذي وضعه عالم الغيب والشهادة؟.

التجارب