الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٩٧الأباضية في موكب التاريخ
495
الأباضية في تونس
تونس
من
المغرب
كلمة "تونس" فعل مضارع مشتق من الإيناس وهو من الإنسان المؤالفة والملاطفة ومن الأمكنة سكون القلب بها، وارتياح النفس إليها، وقد أطلق المسلمون هذه الكلمة على المدينة الصغيرة الجميلة التي تقع جنوب قرطاجنة، على ربوة يحيط بها خندق طبيعي، هو كالحصن (1) لها، أما قبل الفتح الإسلامي فقد كانت هذه المدينة تسمى: "ترشيش" على ما يقوله المؤرخون. وأنا في هذا الفصل لا أريد أن أتحدث عن مدينة "ترشيش" الصغيرة التي سماها المسلمون الفاتحون "تونس"، ولا على هذه المدينة العظيمة التي أصبحت اليوم من أعظم المدن في المغرب الإسلامي، وأصبحت عاصمة يطلق اسمها على جمهورية مزدهرة، تكون جزءا هاما الإسلامي، وعضوا حيا من جسم الوطن الإسلامي الفسيح الأرجاء، فإن تونس -هذه المدينة العظيمة الجميلة- هي إحدى العواصم الإسلامية التي حملت أمانة العلم، وكانت مثابة لأبناء المسلمين في مختلف الأقطار، والتي شيدت معهد الزيتونة العامر، وحافظت على الثقافة الإسلامية قرونا طويلة، هذه المدينة لا يفي بحقها فصل في كتاب ولا يكفي للحديث عنها استطراد في مقال، على أن الحديث عن هذه المدينة ليس من غرض هذا الكتاب، وَإِنَّمَا أريد أن يعرف القارئ الكريم أنني قد استعمل كلمة "تونس" وأنا أقصد به هذا القطر المسلم الذي يقع بين ليبيا والجزائر والبحر، ويكون حلقة من الحلقات المترابطة للوطن الإسلامي الشاسع، ويسكنه قسم الله الأمة المسلمة كافحت كثيرا لحفظ المجد الإسلامي، منذ بدأ الإنسان ينحرف عن دين إلى اليوم، ولا تزال فيها بقية من عزيمة للكفاح عن دين الله وفي سبيل الله، وهذه الأمة في أدوار التاريخ الإسلامي وإن تفرقت بها المنازع السياسية، والمذاهب الدينية، والزعامات الفردية والقبلية في كثير من الأحيان، إلا أنها حافظت في مجموعها على الأصالة الإسلامية، واستمسكت بعرى الدين الحنيف وسارت على هديه ولا تزال فيها بقية تسير على ذلك
من
(1) راجع تاريخ المغرب الكبير، للأستاذ محمد علي دبوز، 2/ 115.