الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٩٨الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
الهدى، إلى أن يأذن الله بعودة الأمة المسلمة إلى ما كانت عليه في الصدر الأول؛ من قيادة
البشرية الحائرة، وتوجيهها إلى سبيل الخلاص خلاص الإنسانية من أسباب الضلال. والحقيقة أن إطلاق كلمة "تونس" على هذا القطر، أو هذه الجمهورية، بهذا الوضع الجغرافي هي تسمية متأخرة جدا، فعندما كانت الجيوش الإسلامية تجوب هذه البلاد فاتحة، وكانت الدول الإسلامية تتركز هنا أو هناك من بلاد المغرب، وكانت المعارك الطاحنة تدور بين الجيوش المتقاتلة في كثير من الأنحاء، لم يكن يرد اسم "تونس" إلا كما يَرِدُ اسم أي مدينة يقع فيها حدث من الأحداث التاريخية التي يتناقل الناس أخبارها.
ولعل الأحداث التي وقعت في "تونس" أو في "ترشيش" نفسها إبان الفتح لم تكن أكثر من
الأحداث التي وقعت في غيرها من المدن والقرى في هذا القطر الكريم في ذلك الحين. ومهما كان الأمر فقد أصبحت كلمة "تونس" تدل فوق دلالتها على هذه المدينة الكبيرة التي أصبحت اليوم إحدى العواصم الكبرى على حقيقة جغرافية، تعني هذه الجمهورية أو هذا القطر الإسلامي المجيد بحدوده التي ذكرناها سابقا. ويعنيني في هذا الفصل أن أبين للقارئ الكريم أنني أريد أن أكشف عن صور مجيدة لحياة أمة مسلمة عاشتها طائفة منها في هذا القطر الكريم، ولا تزال تعيش. إنني أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم صورا عن حياة الإباضية، منذ الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي للقطر التونسي العزيز، وأنا عندما أتحدث هذه الطائفة عن من المسلمين في هذا القطر من بلد الإسلام لا أدعي أبدا أن هذه الطائفة قدمت في خدمة دين الله ما لم تقدمه غيرها من الطوائف، ولا أزعم أبدا أن هذا القطر قد اختص بأمجاد إسلامية ليس لها مثيل أو شبيه في غيره من البلاد، ذلك أنني أحسب أن الأمة الإسلامية أمة واحدة بجميع طوائفها، وأن الوطن الإسلامي وطن واحد بجميع أجزائه، وأن ما يقوم به الفرد أو الفرقة من المسلمين فإنما هو راجع إلى مجد الأمة الكبرى، وأن ما يحدث في بلد من بلاد الإسلام رغم انقساماته السياسية- فإنَّما هو حدث في الوطن الإسلامي الكبير، وأن في المسلمين بجميع فرقهم وطوائفهم وأوطانهم من يجعل نصب عينه الدعوة إلى سبيل الله، والمحافظة على دين الله، والكفاح لإقامة شريعة الله، كما أراد الله.
adds and bus