الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٠٠

الأباضية في موكب التاريخ

498

الأباضية في تونس

الأمن لا يستقر، والسلام لا يطول؛ لأن الثورات لا تتوقف، والحروب لا تنفك تتجدد؛ إما من مناهضي الأسرة الحاكمة أو الدولة القائمة، أو حى من العناصر المتنازعة على الحكم من نفس الدولة ومن نفس الأسرة، فيذهب نتيجة لذلك كثير من الأرواح، وكثير من الخيرات التي تنتجها تلك الأرض الطيبة، فكان سكان القيروان المدنيون يعانون من ذلك أشد الويلات والمصائب حتى أصبحوا تحت أزمة نفسية مؤلمة من ذلك الوضع المتقلب الذي لا يستقر، وأصبحوا لا يهتمون للداخلين أو الخارجين ولا للمنهزمين أو المنتصرين، وبسبب الآثار المختلفة من نتائج الحروب المؤلمة، والألوان المتعددة للحكومات المتعاقبة، كان سكان القيروان يتوقون إلى سنوات من الاستقرار والسلام، ولو في ظل حكم ظالم ولكن اظالم، ولكنهم لم يظفروا بهذه الأمنية لأزمنة طويلة.

والذي نريد أن نتحدث عنه في هذا الكتاب من تاريخ القيروان الطويل الحافل المجيد، إنما هو فترة قصيرة بمقدار ما كان لها من دخل في حياة المذهب الإباضي الذي نكتب عنه في هذه المحاولة التاريخية القصيرة، فلقد كانت القيروان من المدن التي استقر فيها الحكم للأباضية في فترتين تاريخيتين، كما أن هذه المدينة العظيمة بضواحيها كانت مقرا لكثير من علماء الإباضية، وأنجبت كثيرا من الفحول، وتولى فيها التدريس والفتوى أعلام منهم، وسوف يرد ذكرها وذكر ضواحيها لا سيما الجبال المشرفة عليها في كثير من فصول هذا الكتاب.