الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٠١

الأباضية في موكب التاريخ

499

الأباضية في تونس

دخول المذهب الإباضي إلى تونس

في مطلع القرن الثاني الهجري بدأ المذهب الإباضي ينتشر بسرعة في تونس كما انتشر في مصر وليبيا وبقية المغرب، وأهم سبب لانتشاره بسرعة أن أتباعه والدعاة إليه حافظوا على صفاء الرسالة الإسلامية، فلم ينحرف عن النهج القويم الذي عرفه الناس لرسول الله والخلفائه الراشدين لم تلتصق به البدع الدخيلة ولم يشنه ظلم الطغاة من الولاة، فكانت المبادئ التي يدعو إليها هي المبادئ السمحة الكريمة الصافية التي يدعو إليها الإسلام منذ كان محمد، وكانت السيرة التي يسير عليها ولاته هي السيرة التي حافظ عليها المهتدون من خلفائه عليهم السلام.

ولقد كان للداعية المسلم الكبير سلمة بن سعد أثر كبير في نشر هذه الدعوة، ويظهر أن الداعية العظيم اختار لمسيره في نشر الدعوة طريقا وسطا في بلدان المغرب الشاسعة، فلم يكن طريقه في الصحراء، كما لم يكن في الشريط الساحلي، وأعتقد أنه تجنب الطرق الساحلية في رحلته الطويلة لنشر دعوته القويمة؛ حتى لا يصطدم بأعوان الدول الظالمة التي كانت تسيطر على تلك الجهات، فيتعرض لمصاعب قد تعوقه عن القيام بمهمته، كما أنه تجنب الطرق الصحراوية؛ لما يتعرض له من مشاق قطع الصحاري الواسعة، واجتياز أخطارها دون أن يكون له ما يساعده على ذلك من رفقة، ثم إن معظم السكان كانوا على المناطق الجبلية التي تخترق كلا من ليبيا وتونس والجزائر، ومروره بهذه المنطقة المتوسطة الآهلة بالسكان ييسر له الاتصال بالناس ويساعده على إيضاح الرسالة الإسلامية لهم، وتنظيمها لحياتهم أكثر من أية جهة أخرى. ولقد كانت المهمة الأولى التي يريد أن يعطيها للناس هي أن يقرر في أذهانهم الصورة الصحيحة للإسلام الصورة الصحيحة في الإيمان والعبادة والمعاملة، ذلك أن الناس تلقوا الرسالة الإسلامية من كتاب الله، سنة رسول الله، ومن ومن سيرة أصحابه رضوان الله عليهم - فآمنوا بها، واطمأنوا إليها، ووثقوا بها، فلما رأى الناس الصورة العملية