الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٠٢الأباضية في موكب التاريخ
500
الأباضية في تونس
عند كثير ممن يحكم باسم الإسلام بعيدة عما عرفوا من الإسلام، كون ذلك عند بعضهم رد فعل جعلهم ينحرفون أو لا يبالون، وقد استطاع سلمة بن سعد أن يقنع الناس أن نظام الإسلام ليس هو هذا النظام الذي يقوم عليه الولاة الظالمون، ومن يسير في ركابهم من قادة وجنود وأتباع، وليس هو هذا التنطع الذي يدعو إليه المبتدعة، ممن يفرق كلمة المُسلمين، ويبث الشقاق بينهم، ويحكم على مخالفيهم بأحكام المشركين، فيستبيح منهم ما يستباح من أعداء الله ولا هو في التبجح والدعوى، وكثرة الجدل، ومحبة الظهور، وَإِنَّما هو في الإيمان الذي يمتلئ به قلب المؤمن، فتستجيب له جوارحه، فيكون عبدا الله، لا يغره مظهر، ولا يخدعه منصب، ولا تغلبه نفس أمارة بالسوء، ولا يخضع الشهوة غالبة مهما كان الدافع إليها.
واستجاب الناس لهذه الدعوة الصافية الخالصة، وكان سلمة ينتقل بين المدن والقرى يوضح للناس تشريع الإسلام في إعداد فرص الحياة، ونظامه في الحكم، ومساواته بين الناس من جميع الأجناس. ولعل السكان في القطر التونسي كانوا أكثر فهما لهذه الدعوة وتعلقا بها، واستجابة لها في ذلك الحين، ولذلك فقد كونوا بعثة علمية إلى البصرة لتتم دراستها في مركز من مراكز الإشعاع الإسلامي، وسافر الطالبان النجيبان عبد الرحمن بن رستم من القيروان وأبو
داود من قبلي ليغترفا العلم من شيخ الإباضية بالعراق أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ولقد درس الطالبان على يد الإمام الكبير خمس سنوات كاملة ثم رجعا مع زملاء لهم؛ فقام عبد الرحمن بكفاح سياسي، بدأه في ليبيا، ثم انتقل به إلى تونس، ثم انتقل به إلى الجزائر، حيث أسس الدولة الرستمية الشهيرة، أما أبو داود فقد انقطع عن الكفاح السياسي والعسكري إلى الكفاح العلمي والإصلاح الديني، وكان لكفاحه هذا أكبر الأثر في تكوين جيل مثقف ثقافة إسلامية صحيحة حريص على المحافظة على دين الله كما جاء عن رسول الله.
***