الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٠٣الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أسباب الثورات
حمل الفاتحون الأول رسالة الإسلام إلى تونس كما حملوها إلى بقية البلاد نقية صافية كما جاءت في كتاب الله فأقبل الناس عليها يعتنقونها، ويتمسكون بها في حرص واعتزاز، ولكن لم يمض وقت طويل على انتشار الإسلام في المملكة التونسية حتى تغيرت أنظمة الحكم عن زمن الفتح، وانحرف الولاة الظالمون فشوهوا الصورة الجميلة لعدالة الإسلام ونزاهته، ومساواته بين الناس في جميع وسائل الحياة المساواة المطلقة، التي تجمع بين الأمير والفقير في كل الحقوق والواجبات، كما تجمع بينهما في المسجد لأداء الصلاة، لا يطمع قوي في شيء إلا أن يكون حقا له، ولا يخشى ضعيف أن يسلب شيئا إلا أن يكون ليس من حقه أما الكرامة والعزة والعظمة فتلك حقوق طبيعية يتساوى فيها جميع المؤمنين تحت العبودية لله، فما أن يقال: فلان أعظم من فلان أو أعز منه، إلا أن يقال: أخشى الله وأتقى، أو أشد اتباعا لأحكام الله واستمساكا بدينه، فيكون أكرم على وأحق برضاه عنه، وكرامة المؤمن عند الله ورضاه عنه هي غاية العزة والعظمة. والأفراد في الأمة الإسلامية كما يتساوون في المسجد، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي المشعر الحرام، وفي كثير من مظاهر العبادات كذلك يتساوون في المجتمع، فهم كأسنان المشط تتكافاً دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، أما المظاهر التي ينخدع بها الناس؛ كالمال والقوة والسلطة فلا قيمة لها في نظر المؤمن إلا بمقدار ما يعود منها على
الأمة - مجتمعا وأفرادا - من فوائد.
يصح
الله
إن الأموال لا قيمة لها إلا بالمقدار الضروري للحياة، أو بما ينفق منها في سبيل الله، وإن القوة لا قيمة لها إلا بمقدار ما يستطيع به الإنسان الحياة، أو بمقدار ما يصرف منها في الصالح العام، أما السلطة فلا تخلو إما أن تكون داخلة في التشريع الالهي دون طغيان، فهي صيانة لحقوق الأمة، وحفظ توازن بين القوي والضعيف وتوزيع عادل لفرص الحياة بين الناس وإتاحة الحياة الكريمة لكل فرد وتنظيم للمحافظة على الأمن والسلام، ورعاية لحدوده،