الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٠٤

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

وتطبيق لأحكامه، واستمرار في الدعوة إليه بالوسائل التي شرعها وما إلى ذلك، فهذه هي السيرة التي وضعها الإسلام لسير الحكام .. وأما أن تكون تعديا لحدود الله وحكما بغير ما ظلم وجبروت، يجب أن يوقفها المؤمنون، وأن يضربوا على يد صاحبها، وأن

أنزل الله فهي *

يطالبوه بالتزام حدود الله.

تلك هي

الصور التي عرفها الناس لنظام الحياة تحت حكم الإسلام، فلما انحرف الأمراء والولاة بالحكم عن طريقه البين، والواضح وانحرف المفكرون بالعلم عن مجرى السنة إلى البدعة، وعن نصاعة الحق إلى ظلمة الشبهة ثار الناس.

جميع

ثاروا على الانحراف بأنظمة الحكم، وثاروا على الانحراف بحقائق العلم، فحاربوا الظلم بالسيف والقوة، وحاربوا البدعة بالبرهان، والحجة وأثبتوا صلاحية الإسلام لتنظيم الحياة بصدق الدعوة، وعدالة السيرة، وليست هذه الحركة الثورية ضد الانحراف في الحكم، أو في العلم، قاصرة على ليبيا، أو تونس أو الجزائر، ولا على الإباضية، ولكنها كانت قائمة في البلاد التي دخلها الإسلام، ثم انحرف الناس عن هديه، وحادوا عن سبيله، ولقد تختلف بعض الثورات عن بعض في القوة والاتجاه، والغرض، ولكن الباعث على أهم الحركات الثورية في الإسلام لا يبعد أن يكون سببه انحرافا في تطبيق الحكم، وأنا حين أقول هذا لا أنفي أنه قامت ثورات لم يدع إليها الإخلاص للدين، والمحافظة عليه، وَإِنَّمَا كان سببها حب السيطرة والوصول إلى الحكم، ولا سيما في العصور المتأخرة، عندما كان يتوق إلى الحكم ناس لم يتثقفوا بالثقافة الإسلامية، بل لم يكن لهم في المجال العلمي

نصيب.

على أن هناك ظاهرة يجب أن نشير إليها ونحن نتكلم عن نظام الحكم في الإسلام، وعن أسباب الثورات الكثيرة التي قامت في البلاد الإسلامية، سيما بعد تمام دولة الخلفاء

الراشدين.

إن نظام الحكم الإسلامي هو النظام الذي جاءت قواعده الأساسية في كتاب الله، ثم طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريقة عملية، وسار به خلفاؤه الراشدون ثم قامت بعد ذلك دول إسلامية كثيرة، استطاع بعضها أن يسيطر على جميع الوطن الإسلامي، وانقسم الوطن الإسلامي في