الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٠٦الأباضية في موكب التاريخ
0.2
الأباضية في تونس
العدل، ثم إن استمرار تحمل الضيم، أو قبول الجور يورث الذلة، ويربي النفوس على الخنوع ويجرى الظالمين على الاسترسال في طغيانهم، ويجعل من البشر آلهة يحكمون كما يريدون فتطول عهود الحكم الظالم وتنشأ على ذلك أجيال فتتعوده، وتعتقد أن ذلك هو الحق، لا سيما وأن الحكام الظالمين أعرف الناس، وأقدرهم على تثبيت أقدامهم في الحكم، وتوجيهه لمن يريدون وذلك بما يصطنعونه من الحواشي والأتباع، ويشترونه من الذمم والضمائر، ويتزلونه من ألوان العقوبة على من يقاوم ظلمهم، ويطالبهم باتباع الحق والعدل، ولذلك فإن هذا الفريق من العلماء يرى أن ثورة الأمة على انحراف الدولة مهما كانت النتائج أهون من الرضا بالحكم الجائر المسترسل الطويل.
المنصب،
الله
فإن
ولو أردنا أن نعتبر كل واحد من هذين الاتجاهين مبدأ لحزب، وبحثنا عن أحد كبار التابعين لنجعله على رأس هذا الحزب لاستطعنا أن نجعل على رأس القائمة الأولى أحد الإمامين: الحسن أو الزهري، ولجعلنا على رأس القائمة الثانية أحد السعيدين: ابن المسيب أو ابن جبير. وأنا حين أشير إلى هذين الاتجاهين اتِّجَاه مسالمة الدولة الظالمة الذي يمثله الحسن، أو اتجاه مقاومتها والثورة عليها الذي يمثله ابن جبير لا أدخل في حسابي أولئك المتزلفين من القدماء والمحدثين؛ الذين بهرهم البريق فاندفعوا أو يندفعون في ركاب السلطان، وقد جعلوا علمهم ودينهم وخلقهم ثمنا لما يحصلون عليه من متعة المال، أو الشهرة أو الجاه أو وسخروا ذكاءهم وكفاءتهم وبراعتهم لخدمة المنحرفين عن سبيل هؤلاء وإن بلغوا في العلم مبالغ سامقة إلا أنهم لا حساب لهم في التفكير الصحيح، ذلك أنهم مالوا إلى الدنيا من أول يوم، واتخذوا مناصرة الظالمين مبدأ، ثم أصبحوا يبحثون عن البراهين والحجج ليؤيدوا ما ذهبوا إليه. إن هذا الاختلاف في الرأي بين علماء الإسلام مراعاة لمصلحة الأمة وإشفاقا عليها، لا يرتفع إلى أن يكون خلافا مذهبيا بين الطوائف الإسلامية، وإن كان أصحاب كل مذهب قد يميلون إلى أحد الاتجاهين أكثر مما يميلون إلى الاتجاه الآخر، وإذا كان بعض الإباضية يميلون إلى اتجاه المقاومة ويرون وجوب محاربة الظلم، ومكافحة الباطل، ما كان إلى ذلك سبيل، فإن عجزت الأمة عن مقاومة الظالمين بالثورة الشاملة التي تقلب أنظمة
أئمة