الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٠٧

الأباضية في موكب التاريخ

505

الأباضية في تونس

الحكم، وتبعد غير أهل الكفاءة والاستقامة عن التصرف في مقدرات الأمة، فإنه يجب أن تقوم فدائية تذكر الدول الظالمة أن الأمة غير راضية للحكم القائم، وإن استسلمت للقوة والقهر، وأنها لا تزال تطالب بتنفيذ أحكام الله، وأن الرجوع إلى حكم الإسلام، والتزامه والسير على منهجه، أولى لها، وأحق بها، وإن المؤمن لا يهادن الظلم وإن غلبه الظلم، أقول إذا كان بعض الأئمة يرى هذا الرأي فإن البعض الآخر يميل إلى المسالمة، كما فعل الإمام الأكبر جابر بن زيد.

ومنهم من يرى سلوك طريق وسط في الموضوع، وذلك بالنظر إلى حالة الأمة؛ فإذا خشي أن تكون المقاومة سببا إلى فتنة تكون المضرة فيها على الأمة أكثر مما يلحقها من حكم الظالمين، فإن الاستسلام، أولى وإذا كان للمقاومة أسباب تؤيد نجاحها، وترجع صلاح القائمين بعدها، ففي هذه الحالة يرون أن الإطاحة بالحكم الظالم أولى.

ولقد عانى المسلمون من الظلم والجبروت شيئا كثيرا في المملكة التونسية؛ بسبب انحراف الولاة عن حكم الله، وكان ذلك من الأسباب التي دفعت الناس إلى إشعال نار ثورات كثيرة قامت في تلك الجهات وطال بها الأمد، وامتدت وتسلسلت مع التاريخ، حتى جعلت الناس مستعدين للانضمام إلى كل ناعق رسمي للوصول إلى الحكم. وبما أن هذا الكتاب موضوع لإعطاء صور عن حياة الإباضية في تونس، فإنه من حق القارئ الكريم علينا أن نحدثه عن الثورات التي اشترك فيها الإباضية طالبين أو مطلوبين، والدوافع إليها ونتائجها ..

وفي الفصل الآتي وما بعده من الفصول سوف يجد القارئ الكريم صوراً عن هذه الحياة

التي تمتاز بكفاح طويل.