الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٠٩الأباضية في موكب التاريخ
507
الأباضية في تونس
الأمانة،
كان أبو الخطاب المعافري من أولئك العلماء الأعلام الذين يرون أنه لا يحق لامرئ مسلم أن يسكت عما يرتكبه الظالمون باسم الإمارة، والحكم، فلما بايعه المسلمون في ليبيا إماما، وأسندوا إليه القيام بشؤون الدولة في هذا الجزء من الوطن الإسلامي الكبير، أعد نفسه لحمل أن وعزم ينتهج بالمسلمين ذلك النهج الذي سار عليه الخلفاء الراشدون، وسار عليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فلما بلغه ما يقع في القيروان من المناكر، وتحقق أن الحالة بلغت من السوء إلى الحد الذي تنتهك فيه حرمات الله جهارا نهارا، دون تستر أو تأويل، والناس خوفا على أنفسهم وأعراضهم ينظرون ولا يستطيعون أن ينكروا، لما تحقق من ذلك جميع الناس، وخطب فيهم يقول: "إنني أطمع الْجَنَّة لمن يستشهد في هذه الوقعة ما لم يكن مصرا على كبيرة (1).
ولَما خرج من الاجتماع سل سيفه وكسر غمده كناية عن العزم الأكيد على الكفاح في سبيل الله، ونصرة الإسلام، والمحافظة على عدالته ونزاهته وصفائه) وقاد جيشه المتطوع في سبيل الله، وارتحل إلى القيروان فمر بقابس فجعل عليها واليا من قبله، وسار حتى بلغ القيروان فحاصرها مدة اختلف المؤرخون في تحديدها ثم لانت له، وخرج إليه عبد الملك الورفجومي بمن معه من الأتباع، وكانت معركة حاسمة انتصر فيها أبو الخطاب ودخل القيروان وكان أهالي القيروان ينتظرون نهاية الحرب في ترقب وخوف، فقد مر بهم عدد من الحروب والوقائع وهم يعرفون، نتائجها، وما تسفر عنه ويخشون ما يقاسونه بعد كل معركة من ويلات ومصائب وعندما كانت المعارك تدور بين أبي الخطاب وعبد الملك الورفجومي كان أهل القيروان ينتظرون نهاية هذه الوقائع في إشفاق وخوف، وكانوا يحسبون أن أقل ما يلحقهم من ضرر أن تكون الجيوش المحاصرة قد أتت على مزارعهم وبساتينهم، وما فيها من ثمار، وغلال مدة حصارهم لهذه المدينة الحصينة، وعندما الجنت المعركة عن هزيمه عبد الملك بدت لأهل القيروان المفأجاة الأولى؛ وقد كانوا ينتظرون ما
1) نقل كلام الإمام متصرف فمن شاء ليي فاراج سمير الشماخي، ص 128.