الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٢الإباضية في موكب التاريخ
50
نشأة المذهب الإباضي
المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية
هل تكون المذاهب الدينية كما تكون المذاهب الفلسفية؟ قد أشرت في أحاديثي السابقة إلى أن بعض السطحيين يظنون أن المذاهب الدينية تتكون كما تتكون الأحزاب السياسية، وأريد هنا أن أنفي وجود الشبه بين المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية؛ فالمذهب الفلسفي هو آراء بشرية في قضايا الحياة أو ما بعد الحياة، فكرة بعد فكرة، وقضية بعد قضية وهي قابلة في أصوله للنقض، وكثيرًا ما تبنى تلك النظريات التي
من
يضعها العقل البشري على أسس من الوهم الباطل، والنظر الخاطئ، والمعرفة القاصرة … أما المذاهب الدينية وإن كونت حصيلة مبادئها تكوينا تدريجيا، فإن هذه المبادئ راجعة إلى أصول واحدة غير قابلة للنقض أو الخطأ أو البطلان؛ لأن واضعها هو عالم الغيب والشهادة، هذه الأصول الثابتة المنزلة من السماء تستمد المذاهب اتجاهاتها، وتقتبس أحكام دينها، في عقيدتها وعبادتها ومعاملاتها، وفي نظم حياتها، ونظم حكمها، وموقفها من غيرها من الأديان. وليس اختلاف المذاهب في الحقيقة إلا اختلافًا في الفهم والتفسير لمعاني تلك الأصول التي لا تتبدل ولا تتغير ولا يأتيها البطلان ولا يوجد مذهب إسلامي يزعم أنه يستمد قواعده من غير تلك الأصول، حتّى تلك المذاهب المتطرفة في الاعتماد على العقل. والحقيقة التي يجب ألا يتطرق إليها الجدل أن الإسلام وهو الدين الذي اختاره خالق الإنسان ليكون النظام الذي يكفل سعادة البشرية في الحياتين، قد قرر كُلّ الأسس التي تنبني عليها الحياة السعيدة للإنسان في كُلّ مراحل الزمان، وبما أن كتابا لا يُمكن أن يحوي التفاصيل الدقيقة للحوادث اليومية الجارية والنظريات الفكرية والعقلية والعلمية المستجدة، والنظم الاقتصادية والعمرانية المتعاقبة في سير الزمان لحياة الإنسان الطويلة، فقد اكتفى الإسلام بوضع الأصول التي تستمد منها قواعد العقيدة والعمل، ويسند إليها توجيه العقول والأفهام، وبهذا عين نقطة الانطلاق، وجهة التحليق للتفكير البشرى، وقد قصد الإسلام بهذا أن يفتح بحال البحث والتنقيب، وأن يفسح مجال الاختيار والمقارنة، وأن يعطي للإنسان أكبر قسط من الحرية في العقيدة والعمل والرأي والإسلام لا يكره شيئًا كما يكره العبودية لغير الله، ولا يُحارب شيئًا كما يُحارب الجبروت والطغيان والظلم وتعالي الإنسان على أخيه الإنسان.