الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥١١الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
عبد الرحمن بن رستم
حج عبد الرحمن بن رستم وهو صبي مع أبويه من فارس إلى البلاد المقدسة، فلما كان بمكة المكرمة توفي أبوه وتزوجت أمه رجلا من القيروان.
كان صبيا يطل الذكاء من عينيه، وتبدو النجابة على مخائله ويطالعك الظرف والأدب وخفة الروح في حركاته وسلوكه فأحبه زوج أمه وسهر على تربيته، رجع ذلك القيرواني الكريم إلى بلده يحمل معه أسرة متكونة من شخصين؛ هما عبد الرحمن وأمه، واستقر بهم المقام في القيروان وطاب، وكان الصبي من عشاق المعرفة، فتدرج في المدارس البسيطة الموجودة في هذه القرية الناشئة، حتى لم يجد عند مدارسها مزيدا، ولم تكن تلك المدارس الصغيرة والدروس المتقطعة في تلك القرية الناشئة لتطفئ غلته، وتروي ظمأه، فإن القيروان حينئذ كانت أشبه بقلعة حربية منها بعاصمة علمية وكانت أمه وزوجها لا يفتئان يحرضانه على المزيد من طلب العلم واتصل به سلمة بن سعد وحدثه عن المعاهد العلمية في الشرق الإسلامي، ولذلك فقد كان يشغله التفكير في الطريق الذي يسلكه ليستكمل دراسته، والمكان الذي يقصده ليحقق فيه غايته، والعدة التي يجب أن يستكملها ليصل إلى أمله الغالي في دراسته العلمية الطويلة، وترامى إلى سمعه الشهرة الذائعة للمعاهد العلمية في العراق، وبلغه ما تتمتع به البصرة من شهرة تطغى على بقية العواصم الإسلامية لذلك الحين، وحدثه متحدثون عن فطاحل العلماء من بقية التابعين، وتابعي التابعين الذين تزدان بهم حلق الدراسة.
كان عبد الرحمن يؤمن أن الفتى الذي يريد طلب العلم لا تصده العقبات، ولا ترده الصعاب، فإن الإرادة القوية، والعزيمة الصادقة، والرغبة الملحة، كفيلة أن تقرب المسافات البعيدة، وتيسر الطرق الصعبة، وتبعد التفكير في النفقات للزمن الطويل، وما يحتاج إليه الإنسان في كثرة الاستعداد، وإحضار الأموال، وصمم الفتى الغض الإهاب، الطري العود على السفر بعد أن أذنت له أمه.