الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥١٢

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

أتخذ الأهبة ليلحق بالعراق، ويستقر في البصرة، تلك العاصمة العلمية التي قيل فيها «باض العلم في المدينة، وفرخ في البصرة، وطار إلى عمان إنَّه يريد أن يعيش في ذلك العش الذي فرخ فيه العلم، فإن طارت منه طيور إلى عمان فهو سوف يتخذ لنفسه مطارا، ويختار لحياته مسبحا وسار الفتى وهو ما يزال في غضارة الصبا حتى وصل البصرة، واتصل بالزملاء وطلاب العلم من مختلف بلاد العالم الإسلامي، أولئك الزملاء الذين يقصدون البصرة كما قصدها هو وحدثهم وحدثوه وناقشهم وناقشوه وفاضلوا بين مجالس العلم وبين المشايخ والعلماء، حسب مداركهم وحسب منازعهم، وأراد عبد الرحمن أن يتأكد من موقفه، ومن سلامة اختياره فجال بين المساجد ودور العلم، واستمع إلى كبار تابعي التابعين، وهم يشرحون كتاب الله وسنة رسول الله، وانتقل من حلقة إلى حلقة، و من عالم إلى عالم، حتى حضر دروسا على أولئك الأعلام الذين يقومون بالدفاع عن دين في حرص وأمانة، واختار من بينهم واحدا ليتلقى عنه العلم، ويقتبس منه نور الهداية. اختار مجلس أبي عبيدة مسلم من أبي كريمة مولى بني تميم ذلك الإمام العظيم الذي يطارده طغيان الحجاج وأعوانه ويضيق عليه الخناق ويحاول أن يحول دونه ودون إبلاغ رسالة الإسلام إلى المُسلمين.

الله

اختار عبد الرحمن هذا الإمام أستاذا له ليتلقى عنه رسالة الدين، وفنون المعارف الإسلامية؛ لأنه يمتاز عن غيره من أعلام تابعي التابعين، الذين كانوا يتولون التدريس في تلك البقاع بروحه الحية المتحررة التي لم يستطع الطغيان أن يطفئ فيها جذوة الكفاح، ومناصرة الحق، والدعوة إلى تحطيم الأنظمة الفاسدة التي أقامتها دول انحرفت عن الإسلام في نظام الحكم. واستقبله أبو عبيدة كما يستقبل الأب الحنون العطوف ولدا بارا عزيزا، واحتفى به احتفاء كريما، وأضفى عليه من حبه ورعايته الشيء الكثير، وذلك لأسباب كثيرة؛ منها ما طالع منه من أدب جم، وذكاء وقاد، وفهم كثير، واستعداد للتلقي، ولطف في السلوك، ورغبة حقيقية في العلم ومنها أنه كان أصغر طلابه المغاربة سنا، ومنها أن هذا الفتى قد الألم والمرارة وهو صغير، فقد تكبد مشقة السفر من

وجد من عنت الدهر ما أحس

معه