الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥١٣

الأباضية في موكب التاريخ

511

الأباضية في تونس

فارس إلى مكة المكرمة مع أبويه ليؤديا فريضة الحج، فتوفي أبوه في هذا الموسم الذي يعج بالناس من كل جنس لا يهتم الشخص منهم إلا بنفسه وعلاقته بربه، وترك للقدر مصير أرملة وطفل صغير في محنة الغربة البعيدة في ذلك الحين، الذي تعز فيه وسائل النقل وأسبابه وقد انحلت هذه المشكلة بطريقه لم يفكر فيها لا هو ولا أمه، فقد انقضى موسم الحج، وبدأ الناس يعودون إلى بلادهم، وكانت الأرملة العاجز تفكر في مصيرها ومصير ولدها، وتدرس الطريقة التي تمكنها من الرجوع إلى بلدها، ولكن تفكيرها الطويل ودراستها للموقف، وانشغالها به لم يوصلها إلى حل، وَإِنَّمَا جاءها الحل لحكمة يعلمها الله بطريقة لم تفكر فيها، وَإِنَّمَا ساقها القدر إليها، فقد تقدم إليها رجل من الْمَغرِب يَخطبها لنفسه، ويعدها أن يربط مصيره بمصيرها إن شاءت ويعمل على إسعادها وإبعاد ولدها الحبيب، وافقت على هذه الرغبة الكريمة، وعقد عليها القيرواني وتم الزفاف، وبدلا من أن تولي وجهها إلى مطلع الشمس حيث تعود بطفلها الحبيب إلى الأرض الحبيبة أرض الوطن، أرض فارس .. بدلا من ذلك اتجهت إلى مغرب الشمس، إلى تلك البلاد التي كانت موضوعا لا ينتهي للحديث والخيال والقصص الصادق والكاذب، وسار الولد وراء أمه إلى حيث يقدر لهما الحياة، وهو يبكي أبا عزيزا، فقده بين يدي الله في منازل الوحي، ووطنا حبيبا ولد فيه، واتخذ فيه ملاعب الصبا ومسارح الطفولة، سار الفتى وطال به المسير، يقطع أرضا بعد أرض ويجتاز فلاة بعد فلاة حتى بلغ بعد عناء ومشقة، مقر الأسرة الجديدة في القيروان المقر الذي أراد الفاتحون أن يكون مركز الدولة في إفريقيا. وشب الطفل في البيت الجديد، والوطن الجديد؛ تحت رعاية الأب الجديد، حتى اشتد ساعده، ونضج تفكيره، وفاق الأقران علما وعملا، وضاقت دور التعليم عن مواهبه، فبدأ يرنوا إلى بعيد حتى يسرت له أسباب الرحيل إلى البصرة؛ إلى مطلع الشمس، إلى ذلك البلد القريب من وطنه الحبيب. ولقد كان وهو يفكر في السفر إلى البصرة، يذكر المسافات الشاسعة التي قطعها حين

ورد إلى القيروان ولكن كان يهون عليه سلوك ذلك الطريق ويخفف من متاعبه: