الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥١٤

الأباضية في موكب التاريخ

512

الأباضية في تونس

أولا: الغاية الكبرى التي وضعها بين عينيه من الورود إلى منابع العلم الصافية. أما ثانيا: فقد كان يداعب خياله أمل في أنه حين يصل إلى العراق سوف يكون قريبا من فارس، فيتنسط أخبار الوطن، ولعله يعرف مآل ثروة، أبيه، وأملاكه، ولعله يجد وسيلة

للحياة الكريمة في الوطن العزيز، فلما وصل البصرة، واستقر به المقام، وتلقى الدروس

أن

الأولى على أبي عبيدة تفتح عقله الكبير لحقائق أكبر مما كان يفكر فيه، وعلم المؤمن حيثما كان في بلاد الإسلام فهو في وطنه، فهو ليس فارسيا، ولا قيروانيا، ولا بصريا، ولكنه مسلم يمكنه أن يعيش في أي جزء من العالم الإسلامي الفسيح، أما المكان الذي يجب أن يستقر يه فهو أي مكان يحتاج إليه للقيام برسالته، والاستمرار في دعوته، والكفاح من أجل إقامة دين الله ومقاومة أولئك الذين يدعون زورا أنهم يحكمون بالإسلام، إنه يجب أن يعد نفسه للكفاح في سبيل الله، أما المكان الذي يعيش فيه فليس بذي أهمية؛ لأن الأقدار هي التي سوف تسوقه إليه على أن الْمُؤمِن ليس له وطن، فهو في رحلة طويلة في هذه الحياة من أجل مثل أعلى وغاية أسمى، وليس له أن يقيم إقامة الخالدين، إنه يجب عليه أن يكون مستعدا في كل حين لتحمل أعباء الرسالة في أي

مكان، وإلا فإن إيمانه بالله، وطلبه للعلم، وتحمله للمشاق لا يكون ذا جدوى. اقتنع عبد الرحمن بهذه المبادئ، ووعى حقائقها واستقرت في ذهنه، فمضى في دراسته خمس سنوات كاملة في ذلك المعهد العظيم الذي أنتج عقولا، وخرج فحولا، وتكونت له أواصر صداقة ومحبة وتفاهم مع بعض الزملاء، واشترك معهم في الاتجاه والتفكير والعمل، وبحثوا منهاج حياتهم وكفاحهم للمستقبل، ودرسوا الموطن الذي سوف يركزون فيه نضالهم، ويبدأون منه انطلاقهم من أجل الحق، وإعلاء كلمة الله، وتعاهدوا على أن يتآزروا ويتعاونوا ويعيشوا كتلة واحدة ما أمكنهم ذلك، ولم يحاول واحد منهم يدعو بقية الزملاء إلى موطنه، ليتخذوا منه قاعدة انطلاق للكفاح، فيكون قد استغل عواطفهم، ولكنهم درسوا موضوعهم على ضوء الأحداث السياسية لذلك الحين، واستقر

رأيهم أن تكون طرابلس من بلاد المغرب هي منطلق الدعوة ومبدأ الكفاح.

أن