الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥١٦

الأباضية في موكب التاريخ

514

الأباضية في تونس

أبو حاتم الملزوزي

أبو حاتم الملزوزي هو الإمام الثالث الذي بايعه المسلمون في طرابلس، بيعة مستقلة عن غيرها من الدول الموجودة في الشرق والغرب، والأسباب التي دعت الناس إلى بيعة أبي حاتم، ما ارتكبه جنود عمال العباسيين من المناكر، حتى ضج الناس بالشكوى، واجتمعوا على هي أبي حاتم، وأجبروه أن يقوم بأمر الإمامة، ليرد عن الناس عدوان أولئك الذين لم يهذب الإسلام أيديهم وألسنتهم، فاستجاب لهم على شروط شرطها عليهم وقام بأمرهم، فطرد عمال الدولة العباسية من طرابلس، واستقل بها، وأجرى فيها أحكام الله، وسار بسيرة المهتدين من أمة محمد، حتى بلغته المآسي التي كانت تقع في القيروان، واستنجد به الناس لرفع الظلم عنهم، فجهز جيشا كثيفا وأتَّجه إليهم فمر بقابس ثم سار إلى القيروان فحاصرها مدة طويلة حتى لانت له وافتتحها، وعندما انفتحت له أبواب القيروان واستسلم الجند المحاربون، عمل أعظم عمل قام به قائد حربي بعد الانتصار، فقد عفا عن الجميع، والعفو عن الجميع بعد الانتصار حادثة قد يجد لها الباحث في التاريخ البشري شبها، لكن أبا حاتم زاد عن العفو، فأطلق سراح الجند الذين كانوا يقاتلونه، بعد أن زودهم الزاد الضروري، وسلحهم السلاح الذي يدفعون عن أنفسهم العدوان الفردي من الإنسان أو الحيوان وأقام الإمام بالقيروان مدة ليست بالطويلة، بعدما رفع عن الناس ألوان الظلم، ورتب الأمور، وأشاع الأمن والسلام، وأقام قواعد العدل، ثم انطلق راجعا إلى طرابلس مركز الإمامة ومقر الحكم. قبل أن يصل الإمام إلى طرابلس بلغه أن ثورة اندلعت في القيروان، وإن حكما جديدا قد انبعث فيها، ذلك أن سكان القيروان أنفسهم أصبحوا بمعزل عن هذه الحركات، فهم عندما تبدأ الأحداث لا ينهضون لتأييد بعضها على بعض، وكل ما يرجونه أن تنتهي بسرعة على أي شكل من الأشكال فإن الظلم مع السلام أفضل من الحرب وما يجر من النكبات، ولذلك فقد كانوا يقفون من تلك الحروب موقف المتفرج، ينتظرون نهايتها، لا يعنيهم شيء، أما أولئك الذين نشأوا في حواشي الإمارات الظالمة فإنَّه لا يروق لهم أن