الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥١٨الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ويقول بعد الكلام فكان الإباضية يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة، ويملون تعاليمهم، ويناقشون تلاميذهم". ويُحدثنا مؤرخ مغربي (1) أن مفتيين على رأي المذهب الإباضي كانا بالقيروان في النصف الثاني من القرن التاسع (م). ودامت مدينة القيروان إلى القرن الحادي عشر (م) مثابة للإباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها، وكانت فروع من مزاته وهوارة تسكن حصن القيروان، وهي على المذهب الإباضي من الوهبية، في أيام بني زيري الصنهاجيين".
ويقول بعد كلام ودخلت الإباضية إلى جبل وسلات؛ حيث كانت معروفة إلى القرن الحادي عشر، كما كان هذا المذهب موجودا بين سكان زغوان من نفوسة أثناء هذه المدة". لقد كانت هذه البلاد وغيرها من البلاد التي يسكنها الإباضية في تونس تابعة للإمامات في طرابلس تبعية فعلية، كما هو الشأن في القيروان وقابس أو تبعية محبة وعطف وتأييد فلما قتل أبو حاتم الملزوزي آخر الأئمة في طرابلس انتقلت الإمامة إلى الجزائر، وبعد أن كانت طرابلس هي مركز الإمامة أصبحت تاهرت هي المركز، وهكذا انتقلت تبعية أغلب سكان تونس لا سيما سكان الوسط والجنوب إلى تبعية الإمامة في تاهرت.
حين كان عبد الرحمن بن رستم واليا على القيروان وكانت الجيوش العباسية توالي هجوماتها على إمامات طرابلس كان يفكر في أصلح مكان لإقامة الإمامة، وكان فيما يبدو قد استعرض الأماكن المناسبة لذلك مكانا مكانا، فتحقق أن طرابلس لا تصلح لإقامة هذا البناء، فَإِنَّهَا مَمرٌ من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، والممر لا يمكن أن يستقر على حال، أما القيروان التي أخرج منها عندما قتل الإمام أبو الخطاب فهي الأخرى لا تصلح أن تكون مركزا للإمامة؛ لأنها هدف العباسيين من جهة، ومطمح طلاب الحكم من جهة أخرى، بقي عليه أن يختار مكانا آخر في الجنوب التونسي، أو في جبل نفوسة، أو
(1) هو ابن سلام من مؤرخي الإباضية وكان يعتمد في نقله على ابن زرقون