الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥١٩

الأباضية في موكب التاريخ

517

الأباضية في تونس

في الجزائر، واستقر عزمه أن يختار الجزائر فهي أصلح مكان؛ لأنها تتوسط الْمَغرِب الإسلامي؛ ولأنه يجد فيها أنصارا وأعوانا على مكافحة الظلم، والدعوة إلى القيام بأمر الله. وسار عبد الرحمن من القيروان إلى الجزائر، بين القرى والأحياء من الإباضية لا يتعرض له أحد بسوء، حتى وصل جبل سوفجج واجتمع عليه الناس يطالبونه بإقامة الإمامة في الجزائر، بعدما قتل آخر الأئمة في طرابلس، وهكذا اختيرت تاهرت لتكون مركز الإمامة، ومنذ قامت تاهرت كانت أغلبية المملكة التونسية في الجنوب والوسط تابعة لهذه الإمامة، وكان عمال الدولة الرستمية يقيمون أحكام الله في تلك البلاد نيابة عن الدولة الرستمية، ولعل مركز الولاة كان في قابس ونفزاوة وقفصة وغيرها من المملكة التونسية، وقد استمر الجنوب والوسط التونسي تحت حكم الدولة الرستمية، إلى أن تغلبت عليها الدولة الشيعية، فخرجت تاهرت وانقرضت الإمامة من هنالك، فأصبحت هذه البلاد في بادئ أمرها شبه مستقلة، يدير شؤونها مشايخ العلم من أهلها، ثم خضعت للدول المتغلبة على أفريقيا، أعني أن هذه البلاد التي يسكنها الإباضية في ذلك الحين أصبحت بعد انقراض الدولة الرستمية غير تابعة لدولة ما، ولكنها في نفس الوقت لم تؤسس دولة أو دولا، وَإِنَّمَا كان أمرها يرجع أول الأمر إلى كبار مشايخ العلم، ثم فيما بعد إلى مشايخ العزابة، إلى أن انقرض الإباضية في بعض تلك البلاد، أو انحل مجلس العزابة من بعض الأجزاء، والحقيقة أن الدول التي قامت في القيروان أو في المهدية أو في غيرها سرعان ما وجهت حملاتها الشديدة على الإباضية، وحاربتهم محاربة لا هوادة فيها، وحاول بعض الملوك أن يحملوا الناس على اتباع مذهب الحاكم، وقد ارتكبت من أجل ذلك فظائع ومآسي كان لها أسوأ الأثر في تلك الجهات، وقد اتخذ بعض الملوك قضية المذهبية وسيلة لابتزاز الأموال، والانتقام من الخصوم، وعندما لا تتوفر لهم قضية المذهبية يتخذون وسيلة لذلك قضية عنصرية، أو أي سبب، كما وقع في درجين" و"قصطالية، بمختلف مدنها، و"جربة" و"قابس" وغيرها من البلاد، التي لا تنفك توجه إليها الضربات؛ لسبب مختلف في كثير من الأحيان، وسوف نستعرض صورا من ذلك أثناء الكتاب.