الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٢٠الأباضية في موكب التاريخ
518
الأباضية في تونس
أبو القاسم يزيد بن مخلد
نشأ أبو القاسم يزيد بن مخلد اليهراسني في وسط القطر التونسي، فقد ولد في الحامة، تلك البلدة الجميلة الغنية بمناظرها الطبيعية، الشهيرة بأنواع من أجود الفاكهة والثمار، وقد أصبحت اليوم منتزها يقصدها الناس للسياحة، والاستشفاء بمياهها المعدنية المتدفقة باستمرار، ورغم أن الحامة لم تجد من الدول التونسية وسياحتها ما وجدته قرية، إلا أنها لا تقل عنها وعن غيرها من الحمامات زوارا تلك الحمامات التي يؤمها الناس للاستراحة والاستجمام والاستشفاء، في هذه المدينة أو القرية التي تقع قرب قابس من جهة الغرب، والتي كانت في يوم من الأيام نقطة تجمع وارتكاز للإباضية، في هذه المدينة أو القرية تكون الرجل العظيم أبو القاسم يزيد بن مخلد، وقد بدأ عهد طفولته في الدراسة حتى ظهر على جميع الأقران، وتفوق على كل الزملاء، وتيسرت له سبل الحياة، فاجتمع لديه من المال ما جعل مركزه في المقدمة بين الْمُؤمِنين الأغنياء، وأوتي من الذكاء والألمعية، وطهارة السريرة، وشجاعة القلب، وقوة
الإرادة، وصدق العزيمة ما لا يتحلى به إلا القليل من الناس، في القليل من الأزمنة. درس علم الكلام على علامة زمانه سحنون بن أيوب، أما بقية العلوم فقد درسها على العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن زرقون، وبلغ في العلوم شأوا سبق به أساتذته، فاعتبر من كبار الأئمة الذين بلغوا درجة الاجتهاد وحسب من الأئمة العشرة المجتهدين الذين أتى كل واحد منهم بأقوال (1). الحامة إلى سجلماسة للدراسة، وأمضى هنالك فترة صالحة من شبابه في الكفاح من أجل المعرفة، ولما رجع بعد أن بلغ ما بلغ اتَّجهت إليه الأنظار، ورافقه الإمام أبو خزر يغلا بن أيوب فكانا يدرسان الكتب، مجتمعين وفي أكثر الأحيان كان أبو القاسم يقرأ وأبو خزر يستمع، وقد يقوم أبو خزر لشأن من شؤونه فيمضي أبو القاسم في القراءة، فإذا رجع أبو خزر رجع أبو القاسم فأعاد قراءة ما قرأه بعد أبي خزر، ويقول له: "لي مرتان و".
سافر من
مرة واحدة"، ثم يستمر في القراءة.
(1) راجع الدليل والبرهان 206/ 1.