الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٣الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباض
منى بدأت المذاهب الإسلامية؟
سألني أحد المتعلمين: هل بدأت المذاهب الإسلامية في زمن رسول الله؟
و عجبت في بادئ الأمر كيف يجول هذا السؤال في خاطر مؤمن، ولكني عندما فكرت في الموضوع ظننت - وإن كان الظن لا يغني من الْحَقِّ شَيئًا - أن السائل رُبَّمَا فهم. هذا من بعض مناقشات الصحابة رضوان الله عليهم - لرسول الله الا الله عليهم لرسول الله، ومراجعتهم له، أو أنه ا، تسرب إليه من مطالعته لبعض الكتب التي أثارت مثل هذه المناقشة كما فعل الشهرستاني (1)؛ ففي مقدمته ما يشعر أن الشبه التي تعلقت بها الفرق الخاطئة قد أثيرت أصولها في زمن الرسول الله، وأنا إذ أسوق هذا الحديث أقرر أن أبحاث العلامة الشهرستاني أعمق من هذا السؤال البسيط، ومهما كان الأمر، فإنني أستطيع أن أوكد أن هذا السؤال بعيد جدا عن الواقع، فقد عاش المسلمون في حياة الرسول -عليه الصلاة والسلام لا يحتاجون إلى استنباط الأحكام، أو تسابق الأفهام، أو تقرير القواعد للعقائد؛ لأَن كُلِّ ذلك ليس من شأنهم، فقد كان الوحي يتزل بالأحكام في كل حين، وكان الرسول الي يشرح المبهم بقوله وعمله، ويجيب عن الأسئلة التي ترد إليه بما يشفي ويكفي. وقد يحدث أن يقف المسلمون موقف المتردد غير المقنع في قضية من القضايا أو موقف من المواقف، وقد يراجعونه في جواب من أجوبته التي لا يقتنعون بها بسهولة عندما تغرهم ظواهر معينة، وقد يسلمون لأمر الرسول، ولكن شيئا من الحيرة يبقى مترددا من نفوسهم، وفي أمثال هذه الظروف كان الرسول الله يقنعهم بالعمل، وبالنتائج المترتبة على حكمه وأجوبته، وَلَعَلَّ هذه الظاهرة تتمثل في أحداث الحديبية التي ظنَّ بعض المسلمين أَنَّهُم قبلوا فيها الدنية في دينهم، واحتار المسلمون فيها حيرة لَمْ يحتاروا مثلها من قبل، وراجع فيها عمر رسول الله له كثيرا، وراجع أبا بكر حَتَّى قال له الصديق له: «وَيْحَكَ يَا عُمَرْ اسْتَمْسِك بِغَرْزِهِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ».
1) الملل والنحل: (ط 1/ تصحيح أحمد فهمي)، المقدمة الرابعة، ص 11.